أربعونَ انقَضَوْا…

وكأنَّ التاريخ توقّفَ عند لوحةِ جلاءِ الجيشِ الفرنسي معلنةً استقلالَ وطننا لبنان. هذا ما “تعلّمناه” في مرحلة الدراسة الثانوية. لكنّ أحداً لم “يُلَقّنّا” تاريخنا “الحديث” منذ بدء الحرب الأهلية وحتّى انتهائها. فهذا تاريخٌ مُختَلَفٌ عليه !

وقد يحتاج شابٌ من جيلي أن يقرأ العديد من الكتب التي أرّخت تلك المرحلة ليستنبط “الحقيقة”. فكُلٌّ يرى الحقيقة من وجهةِ نظره، وما من أحدٍ يبحث عن وجهة نظر “الشعب”.

هذا الشعب الذي زُهقت منه أرواح مئات الآلاف من القتلى كرمى الميليشيات المتقاتلة في أحياء لبنان؛ والذي ارتكبت بحقّه وبحقّ غيره أفظع المجازر والمذابح من تلّ الزعتر الى صبرا وشاتيلا الى الكرنتينا؛ والذي هُجِّرَ وشُرِّدَ من بيته ومناطقه في عملياتِ تطهيرٍ طالت بلدات عديدة بسبب طائفتها.

نحن الشباب الذين ولدنا في أواخر سنين الحرب، لم نشهد ما شهده أهلنا من قبل. ولم نتعرّض لما تعرّض له الآلاف من إذلالٍ وإهانةٍ وتعسّفٍ على الحواجزِ الأمنية “الطائفية” التي كانت تفصلُ المدن عن بعضها قد يصل الى حدّ القتل بتهمة “اختلاف الطائفة”.

صادف يوم 13 نيسان 2015 مرور أربعين عاماً على ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. أربعونَ عاماً انقضَوْا لم تستطع إخفاء الحقيقة المرّة بأن مرتكبي المجازر وأصحاب الميليشات لم يحاسبوا على دم الأبرياء الذين قتلوا. بل كُوفئوا بتسلّم الوزارات في حكومات ما بعد الحرب. وأمراء الطوائف، سيطروا على مقاليد السلطة في وطننا وعلى موارده وعلى قطاعاته، ففرضوا أزلامهم قادةً وحكّاما. ولا زالوا يمتصّون كلّ ثروةٍ الى جيوبهم ويتركوننا نعيش على فتات ما يذرون.

أربعونَ عاماً انقضوْا ونحن نعيش في “وهم” وجود الدولة. واتفاق الطائف الذي أوقف القتال، كرّس أصحاب الميليشات ذاتها قادة “الوطن”. وأعطى لكلّ طائفة حصّة حتى بتنا لا نقوى على تعيين حاجب في أصغر إدارة خوفاً من كسر “التوازن الطائفي”.

أربعون عاماً انقضوْا ونحن نعيش “فراغاً” في الدولة وقصوراً في القانون وعجزاً في المؤسسات لا يحمينا ولا يضمن مستقبلنا أو مستقبل من بعدنا. نرثُ سمَّ الطائفيةِ من جيلٍ الى جيل، لا بلّ “ندسّه” في آذان أولادنا ونخاف أن نخرج من “قوقعتنا” التي نرى فيها أماننا وخلاصنا. لا نملك نظاماً سياسياً صحيحاً إلا على الورق. ولم نرضَ بالدستور الذي أورثتنا إياه فرنسا، بل عملنا على نقضه و”تطعيمه” بداء الطائفية فباتت “مقدّمته” هي منهج حياتنا السياسية ومدخل خراب وطننا وسبباً لتناحرنا اليومي ! الحربُ لم تنتهِ يوماً. بل “أُوقِفت”.

أما نحن، فنذهب ضحيتها دون أن نتفكّر في أن نتخلّص من عقليتنا الطائفية المريضة.

أربعون عاماً انقضوْا… ولا زلنا نعيش على قلق “عين رمّانة” أخرى !

Advertisements

متى تكون “قيامة” المواطن اللبناني؟

في لبنان، تقاسُ فرحةُ الأطراف السياسية المحلية بحسب قوّة الحلف السياسي الدولي الموالية له.

فإن أحرز أيّ حلفٍ تقدّمًا على الحلف الآخر، تعلو نبرةُ السياسيين الموالين وتبطع تعابير “النصرِ” خطاباتهم المنبرية.

لكن يغيب عن أذهان الغالبية الكاسحة من الناس التي تسير خلفهم بسبب جهلهم، أن تسأل نفسها السؤال التالي: “النصر على من؟”

ففيما يجمعنا هذا الوطن، يصرّ اللبنانيون على تقسيم أنفسهم فرقًا وشِيعًا بحسب اختلافهم المذهبي والسياسي، تصلّ الى حدّ الاقتتال. وحتّى يومنا هذا، لم يتعظ اللبنانيون من تجربة الحرب الأهلية.

لا بل يرفضون أخذ العبرة مما سبق لأنّ النزعة الطائفية والمذهبية تسيطرُ على عقولهم وطريقة تفكيرهم ومقاربتهم للأمور، فتُبقيهم عميانًا، لا يميّزون “الرُشدَ” من “الغيّ” !

لبنان يعاني من إنفصام الهوية والكيان. فـ”التبعية”، على خطورتها، باتت هي القاسم المشترك بين الفريقين السياسيين الأساسيين.

فكلّ الآذاريين في لبنان، يصنّفون بعضهم “تابعين”، وإن لم يجرؤوا على البوح بهذه الحقيقة. وفي خضّم الاتهام والاتهام المضاد، تضيعُ الدولةُ وتُهدم المؤسسات ويكثُرُ الفساد وتزداد أوضاع المواطنين سواءً، فيما همّ منشغلون بالتهليل لإيران أو للمملكة العربية السعودية أو للولايات المتحدة أو لروسيا.

يعاني المجتمع اللبناني من آثار الطائفية، لا بل المذهبية المقيتة، أكثر ممّا كانت حاله خلال سنوات الحرب الأهلية. وقد تصل بنا الى القطيعة النهائية بين الأصدقاء والأقرباء نتيجة المواقف السياسية التي لا تؤّثر قيد أنملة في سياسيات الدول التي نهلل لها.

يولي اللبنانيون الأهمية في غير مكانها. فبالنسبة للغالبية، الأهمية هي في تحليل صراع الدول الدائر في العراق وسوريا واليمن. علمًا أنه كيف ما أتت النتيجة، لن تتغيّر أحوال دولتنا أو مؤسساتنا. ولن يتوقف الهدر، أو ينتهي الفساد، أو تزول الطائفية من نفوسنا، أو تعود المؤسسات الى عملها الطبيعي، أو تصبح النزاهة والكفاءة والعدالة هي المعايير التي تقوم عليها الدولة. فحاجاتنا الاجتماعية الأسياسية من ماء وكهرباء وطبابة وطرقات ورواتب غير مرتبطة بأحداث اليمن أو سوريا أو العراق. فالمكاسب التي تجنيها الدول من الحروب، تعود بالفائدة على الأنظمة الحاكمة وليس على الشعب.

الواقعُ في لبنان أن كلّ المفاهيم والمقدسات والمبادئ السامية سقطت !!

مبادئ المقاومة والعدالة والسيادة والحرية والديمقراطية والكفاءة والنزاهة. فقد احتكرتها الأحزاب السياسية، المسيّرة، فجعلتها “أدواتٍ” تستخدمها في خطاباتها، وحوّلتها الى وجهات نظر تتداولها ألسنة مواطنين لا يعترفون بتاريخٍ واحدٍ لبلدهم.

هذه المبادئ التي تسعى إليها كافة الشعوب، أصبحت موادًا خلافيةً بيننا عوضًا من أن تكون محطّ التقائنا وسعينا لتحقيقها.

فهل من يومٍ يستفيقُ فيه “المواطن اللبناني”؟

(نشر أيضًا في جريدة الإنشاء الطرابلسية، العدد 7203 –  الثلاثاء في 7 نيسان 2015)