! فليخرج العقلاء عن صمتهم

إذا ما طالعت الصحف في الأيام التي تلت انتخابات المجلس الشرعي في كلّ من بيروت وطرابلس، تستنج بأنّ الانتخابات كانت عبارةً عن معركةٍ بين مختلف الأحزاب السياسية على “زعامة الشارع السنّي”.

ولعلّ هذه هي السمة الأولى التي باتت تطبع كلّ استحقاق انتخابي في أي مجلس وطني أو محلي، مهما علا شأنه أو صغر. كلّ الانتخابات باتت “معارك” للزعماء. صحيح أن اللعبة الديمقراطية تفرض التنافس بين الأشخاص، إنما تفرضها لمصلحة المدينة أو الوطن وليس للمصلحة الشخصية لحزب أو تيار أو جماعة.

إلا أن عناوين الصحف كافة تشير الى من “انتصر” ومن “خسر”. والمضحك في ذلك، أن مسألة الربح والخسارة هي مسألة نسبية تختلف بحسب اتجاه الصحيفة السياسي.

لكنني لم أقرأ يوماً، في أي من تلك الصحف، مقالاً يشير الى أن طرابلس، ولو لمرة واحدة، هي التي ربحت الانتخابات عبر اختيار أسماء تملك الكفاءة لتوليها “منصب” يمثّل المدينة أو يصبّ في مصلحتها. أقلّه من الوقت الذي أمست فيه المدينة تخضع لوصاية سياسية، تأتي بما “هبّ ودبّ” الى كافة المجالس في طرابلس من جامعية ونقابية وشرعية واجتماعية.

والحقيقة بأن الغالبية من الناس في طرابلس تؤيّد ضمناً هذا التوجّه الذي تسلكه الصحف. فهي ترتاح الى “التصنيف”. وترتاح الى إيواء نفسها في كنف “الطائفة” أو “الحزب” أو “التيار” القوي. فقلائل هم الذين لا يأمنون إلا لأنفسهم وضمائرهم وسيادتهم وكرامتهم وحرّيتهم في قول الحق خدمة للمدينة ومجتمعها.

الواقع أنّ الغالبية تخاف من القوّة،فيما تجابهها الأقلية !

ولا حكم للأقلية في الأنظمة “الديمقراطية” !!

فلماذا نستغرب ونتساءل ما الذي أوصل حال مجتمعنا ومدينتنا الى ما وصلت إليه؟ لماذا لا يدرك الطرابلسيون بأن حالة المجتمع هي انعكاس للحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والفكرية التي وصلوا إليها؟

لماذا نحزن حين نكتشف بأن مدينتنا أُزيلت من على الخارطة السياسية للدولة منذ زمن طويل؟

ألم نرضى نحن بذلك؟ ألم نقبل بأن نكون أداةً يستعملها كلّ من شاء في “حروبه” السياسية ويستهلك أصواتنا في صناديق الانتخابات ويرمينا فقراء نشحذ معونة السلطة المركزية؟

من السهل إلقاء اللوم على القيادات السياسية الغائبة في المدينة. لكنّنا لسنا أبرياء من المشاركة في “جريمة” تهميش مدينتنا عندما ارتضينا أن نكون تبعاً “للعاصمة” وقبلنا اختيار ممثلين ونوّاب رهنوا قرار مدينتنا لصالح “الزعيم الطائفي”.

لكن على الرغم من موجة التعصّب الأعمى التي تسيطر على عقول كثيرة طرابلسية، لا بدّ من وجود عقول سامية واعية تفكّر بمنطق وتسعى الى نبذ التطرّف السياسي والديني والمذهبي وتتبنّى خطاباً حديثاً قوامه النظام والقانون والدولة.

وهي مدعوة الى ان ترفع صوتها لا أن تبقى “أغلبية” صامتة !

Advertisements

إنصافاً للأرمن… والآخرين !

غالباً ما تكون أكثرية النّاس قاسيةً في حُكمها على الآخرين بشأن بعض القضايا الإجتماعية والتاريخية، وخصوصاً تلك المرتبطة بعاملٍ دينيّ. فالغالبية العُظمى من البشر لا تقبلُ تحدّي أو كسرِ معتقداتها الدينية الموروثة فتصل الى حدٍّ من التعصّب، يستحيل معه النقاش.

وعلى الرغم من تحلّينا بـ”الضمير” الذي يسعفنا، عند التمييز بين ما هو “صحيح” وبين ما هو “خاطئ”، فإنه يبقى محكوماً من “نزعة” طائفية دفينة مرتبطة بالدين.

فالعقل هو الرادع لهذا الضمير من التفلّت والتطرّف.

ولكن ماذا لو غاب هذا العقل؟ عندها يصبح الضمير أنانياً إنتقائياً، يعتمدُ محاكمةً “هوائية” للأمور.

كَثُرَ الحديث مؤخراً عن ذكرى “الإبادة الأرمنية”. وثار اللغط، في طول البلاد وعرضها، حول ضرورة الاعتراف بها من عدمه. لكننا نغفل عن أمرٍ مهمّ هو أن “ضميرنا الجماعي” هذا، لا يحاجج بناءً على مبادئ المنطق والإنسانية. بل على مبادئ الانتماء الطائفي والمذهبي والمناطقي وحتّى العشائري.

“الإبادة” ليست لفظاً كلامياً فقط، بل هي فعلٌ يُمارس وإن لم توصف هذه الافعال بالإبادة.

لماذا لا نقرأ عن المجازر المرتكبة بحقّ الشعوب الأفريقية من قبل دول الإستعمار الفرنسية والبريطانية؟ أو عن الشعب الفلسطيني الذي عانى، ولا يزال، أمرّ طقوس التعذيب والتهجير والقتل والدمار؟ أو عن المجازر بحقّ المسلمين في “سربرنيتسا” في البوسنة؟ أو الروهينغا في بورما؟ أو في كامبوديا؟ أليست هذه كلّها “إبادات” لشعوب هذه البلدان؟

الحقيقة هي في وجود ضمير “دولي” إنتقائي فئوي، يختار الاعتراف بالجرائم التي تخدم مصلحته السياسية البحتة، ويشهر بها “سيف” العدالة والحق والإنسان بوجه مرتكبيها. وإلا، كيف نفسّر تردّد أميركا في التعليق على الذكرى المئوية لإبادة الأرمن؟ أليس ذلك للهروب من اتهامها بإبادة هيروشيما ونكازاكي بنقبلتين ذرّيتين؟

لا مكان لاستنسابية المعايير وللتجزئة في الاعتراف بالجرائم المرتكبة بحقّ مختلف الشعوب إذا ما أردنا أن نتصرّف بإنسانيتنا لا بغرائزنا وأهوائنا الطائفية. ولا يمكن للدول الكبرى، خصوصاً الغربية، أن تستمرّ بتطبيق هذه الاستناسبية لأهدافها السياسية الشخصية؛ ولا أن تستعجل المزايدة في اتهام الدولة التركية “المسلمة”، بعدم اعترافها بما حصل للأرمن، فيما هي تغضّ الطرف يومياً عمّا تمارسه إسرائيل من مجازر بحقّ الشعب الفلسطيني؟

هذا ليس انتقاصاً لما عاناه الأرمن وإنما إنصافاً لهم ولكلّ الشعوب التي عانت، ولا تزال، من شتّى أنواع الإبادة والتهجير دون رقيب أو حسيب.

“القيمة” الحقيقية هي للإنسان. وهدف مختلف الأديان هو إعلاء قيمة الإنسان في مجتمعه المبني على قيم سامية مثل الرحمة والتسامح والكرامة والعدالة والحرية. لكننا سخّرنا الإنسان وحلّلنا قتله خدمةً للدّين الذي “شوّهناه”.

فمتى نتّفق في لبنان على “قيمة” الإنسان لا الطائفة؟