هل “الدولة” حَقّ أَم وجهَة نظرٍ أَم حُلُم؟

تختلِفُ نظرةُ اللبنانيين الى “الدولة”. فلم تعُد هي “المؤسسةُ” أو “السلطةُ” أو “الفكرةُ” المجرّدةُ عن المشاعرَ والمصالحَ الفرديةِ الخاصّةِ ومرسى القيمِ الاجتماعيةِ الساميةِ من تسامُحٍ وأخوّةٍ ومساواةٍ وعدل، بل تحوّلَت الى “جهازٍ” يُحَكِّمُ أشخاصاً محدّدين بمقاليدَ السلطةِ ومنافعِها ومواردِها بالظُلمِ والعداءِ والتفريقِ والانتقامِ ممّن يعارضها.

هذه الممارساتُ أدّتُ، خصوصاً في الفترةِ الممتدّةِ بعد إتفاقِ “الطائف”، الى خلقِ مفهومٍ مغايرٍ  “للدولةِ” عمّا يفترضُ أن تكونَ عليه. فلم تعُد هي الملجأُ لتحقيقِ العدالة بل وسيلةً للتشفّي والانتقام، ولا أداةَ استرجاعِ الحقوقِ بل سلبِها ومصادرتِها بغير حقّ، ولا باعثاً على الأمنِ والاستقرارِ بل ناشراً للخوفِ بالسلاحِ و العسكرِ و”الآذانِ الخفيّة”.

ولماذا اتفاقُ “الطائف”؟ لأنّه “سلّطَ” كلّ ما كانت لهُ يدٌ” خفيّةً كانت أو علنيةً، في الحربِ الداخليةِ اللبنانيةِ، على موارِدِ الدولةِ وإداراتِها وجعلَهُم، تحت ذرائِعَ “الوفاقِ الوطني” أحياناً وحمايةِ “الحقوقِ الطائفيةِ” أحياناً أخرى، سلاطينَ على الإداراتِ العامّةِ؛ فلا يتحرّك حاجبٌ لا يُصرفُ “قرشٌ” واحدٌ إلا بصفقةٍ وسمسراتٍ ومغانِمَ تُفقرُ الشعبَ وتُغني الأزلام.

سلاطينَ اعتمدُوا الفسادَ منهجاً وحيداً ورئيسياً في تصرفاتِهم. فانقسمَ الشعبُ، نتيجةَ ذلك، الى فئاتٍ ثلاث:

الأولى، هم الفقراء المعدمون. أولئِكَ لا يهمّهم الأمن ولا الأمان. إنّما أكبرُ أحلامِهم ألا يناموا وبطونُهم خاوية وألا يرقدوا وأولادُهم يرتجفون برداً ومرضاً. أولئِكَ يُعانون من ظُلمِ الدولةِ لهم. فلا يتمتّعون بميزات فرصِ العملِ والطبابةِ والاستشفاءِ كما يتمتّعُ بها آخرون. هم الذينُ يُتركُون طريدةً للموتِ على أبوابِ المستشفيات. وهُم أشدّهم حقداّ على “الدولةِ” وأكثرُهم انتقاماً.

الثانية، وهي فئة الشعبِ “المقموع”. هُم فئةٌ لا ترتبطُ بـ”الدولةِ” ولا بأجهزتِها ولا بسلاطينِها. فلا ينتفعون من الصفقات ومن عملياتِ النهبِ المنظّمِ لمواردِ الإداراتِ العامة. هم ليسوا من “مدّاحي البلاط”. لم “يتنعّموا” بحُبِّ “الدولةِ” لهم. فيكتفونَ بالعيشِ، بعيداً عن السياسيةِ، خوفاً ويأساً منها. يعملون بكدٍّ لتأمينِ لقمةِ عيشٍ كريمةٍ بعيدةٍ عن الحرامِ والمهانةِ. منهم المتعلمون ومنهم المثقّفون ومنهم العاديون، إنّما تقمعُهم “الدولة” إذا ما قرروا أن يطالبوا بحقٍّ أو ينتقدوا ممارسةً “الحكّام”. هم فئةُ مهمّشةٌ في حسابِ الدولة.

أمّا الثالثةُ، فهي الأوفر حظّاً بين الفئات. فهي ترتبطُ بـ”الدولةِ” وأجهزتِها وسلاطينها. وتغوصُ وتسبحُ في بحرِ الفسادِ السياسي والاجتماعي. تصرفُ الأموالَ على ملذاتِها وسهراتِها وبهوراتِها وترفِها الفاحِش. وتستقوي بـ”عسكرِ” الدولةِ وزعرانِها لفرضِ رغباتِها وسلبِ الحقوقِ من الناس. فهي تتصرّفُ وكأنها تملكُ السلطةَ ولها حقٌّ فيها. وتعتبرُ بأنّ لها امتيازاً في سرقَةِ المالَ العامَ والتحكّمِ بالإداراتِ وأن استعبادِ الفقراءَ بالمالِ والترهيبِ والعوزِ، وتجاوزِ القانونَ وتسييرِ العدالةَ خدمةً لمصالِحِها.

ثمّ يأتي التمايزُ المناطقي والمذهبي والطائفي ليَكونَ غطاءاً لكلّ ذلك. من هنا، أمسَى مفهومُ “الدولةِ” يتراوحُ بينَ كونِهِ “وجهةَ نظرٍ” للبعض، “حقّاً أو مكسباً” للبعضِ الآخر و”مطلباً أو حلماً” لآخرين.

فمن أينَ نحلمُ بـ”دولةٍ” جامعةٍ قبلَ أن “يُوفّى كلُّ ذي حقٍّ حقَّهُ”؟

Advertisements

هذه “بضاعتُنا رُدَّت إلينا” !

« يرَى الجُبناءُ أنَّ العجزَ عَقلٌ              وتِلكَ خديعةُ الطَّبعِ اللّئيمِ »

-المتنبّي-

منذُ يومين، تقدّمت رئيسة البرلمان الأسترالي، برونوين بيشوب، باستقالتِها بعد سيلٍ من الاتهاماتِ الموجهةِ لها لاستخدامِها أموالَ دافعي الضرائب لتتمكّنَ من استئجارِ مروحيةِ هليكوبتر  لحضورِ حفلٍ ريعيّ يقيمُه الحزبُ الذي تنتمي إليه.

هكذا، وبكلِّ بساطةٍ، تخلّت هذه السيدة عن منصبِها لأنها لم تستطع، لا هي ولا حزبُها الداعم، تحَمُّلَ ضغطَ الرأي العام الأسترالي تجاهَ هذه الفضيحة.

في غضونِ ذلك، لا زالت الحكومة “المهرّجة” تمارسُ مسرحيةَ الكذبِ المعتادِ على الشعب في لبنان.

إلا أننا اجتزنا، منذُ زمنٍ، مرحلةَ إلقاءِ اللومِ على المسؤولينَ الجشعينَ الفاسدينَ الذين يمسكونَ بمقاليدِ الحكمِ والمؤسساتِ في وطننِا. ولا بدّ لنا من أن نُدركَ ونعيَ بأنَّ المسؤولية الكبرى في ما آلت إليه حالُ المواطنِ في لبنان، إنَما تقعُ على عاتقِ المواطنينَ أنفسهم.

وأنا لا أتحدّث عمّن لا حولَ ولا قوّةَ له. بل أتكلّمُ عمّن يستطيعونَ التغييرَ بقولِهم ومالِهم وأفعالِهم. أولئكَ الذينَ يعانونَ من إنفصامٍ أكيدٍ ولا مبالاةٍ خطيرةٍ، لم تستطع أطنانُ النفاياتِ المنتشرة في شوارع بيروت ولا رائحتها الكريهةِ أن تُحرّكَ في نفوسِهم “العَفِنة” ساكناً !

أولئكَ الذينَ يمرّون بالمصائبِ والشوائبِ مرورَ الكرام. فـ”يُصورُوها”، و”ينشرُوها”، و”ينتقدُوها” قولاً لا فعلاً. أولئك الذين استسلموا وأصبحوا شعباً “داجناً” كثيرَ الكلامِ، قليلَ العملِ، خبيثَ النفسِ وزائفَ العزمِ !

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون حتّى نشعُرَ بقليلٍ من الحياءِ والمسؤولية تجاه وطنِنا؟ فلا الدّينُ العام استطاع إثارتَنا. ولا الكهرباء أثارت غيظَنا. ولا النفايات تمكّنت من حملِنا على مواجهة حيتانِ المالِ والسمسراتِ والمافياتِ التي تسرقُ المالَ العام وتُبقينا أسيري العوزِ والفقرِ والتخلّف.

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون، “الفخورون” بلبنانيتنا الزائفة، حتّى نُدركَ بأن الطبقةَ السياسية هي تجسيدٌ وانعكاسٌ لما يُمثّلُهُ “الرأيُ العام”، بأفكارِنا وعقلياتِنا الطائفية المريضةِ.

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون، المتعالون، لأن نستيقظَ من غفوتِنا لنعلمَ بأنّنا نحن من انتجنا الطبقةَ السياسيةَ الحاكمةَ؛ وجدّدَنا “التوكيلَ” لها، سنة بعد سنة، بلا كللٍ وبذرائعَ واهيةٍ. ألم نُدركُ بعد بأنَ قوانينَ الانتخاب، مهما ساءت أو فئويةٍ كانت، لا تُنتجُ إلا ما ننتخبُهُ نحن ؟! ونحن اختارنا “الأسوأ” كلّ مرّة وفي كلّ استحقاقٍ !

أيّها اللبناني، لا تُلقِ اللومَ على النوّابِ والوزراء. بل ألقِهِ على نفسِك. أنت من اخترتَ أن تكون عبداً لطائفتِكَ وزعيمِها. أنتَ من اخترتَ أن ينوبَ عنكَ من شابَهَكَ بخلُقِهِ ومسلكِهِ. أنتَ من اخترتَ أن ترفَع كلَّ رُويبضَة  وأن تجعلَ منهُ “سيّدَ” القومِ !

كثيرٌ ما نتغنّى نحن “اللبنانيون” بحرّيتِنا أمام الآخرين. ولكن عن أيّة حرّيةٍ نتحدّث ؟ ألم نخجل بعد من أنفسُنا ومن خداعِها؟

أيّها اللبناني، لا تحزّن لازديادِ الدَينِ العام أو لانقطاعِ الكهرباءِ أو لمشهدِ أكياسِ النفاياتِ المتراكمةِ.. فها هي «بضاعتُنا رُدَّت إلينا» !