“يستبدل قوماً غيركم” !

“أما إسرائيل فلن يكتب لها البقاء لأنه لم يكتب لها البقاء. ويقول بعض الذين خلقوها أنها وجدت لتبقى؛ وأنا أقول: أنها وجدت لتزول.. لا أقولها مغرورًا ولا موتورًا، ولا مُدجلاً ولا مهولاً، ولكني أقولها عالمًا بنواميس الإجتماع، التي يُبنى عليها وجود الأمم، وبقاؤها، وزوالها، بأمر الله، وحتمية التاريخ”

هذه الكلمات مأخوذة من محاضرة علمية، ألقاها جدّي المرحوم، الشيخ نديم الجسر، خلال افتتاح الموسم الثقافي للمعاهد الثانوية العليا في طرابلس عام 1967 ولم يكن قد مرّ على “النكبة” أسابيع معدودة وقد استشعر  يأساً بدأ يدبُّ الى قلوب الناس. وأنا قرأت هذه الكلمات عشرات المرّات منذ أصبحت في سنّ أستطيع فهم أهميتها ومعانيها. وأستذكرها كلما عادت القضية الفلسطينية “تطفو” على ألسنة الناس.

“القضية الفلسطينية”. تعبير يطاردنا عند كلّ مفترق، وباسمه خدعت عقول الناس لحملها على الخمول واليأس بدل أن تجتهد وتتعلّم وتكتسب القوّة التي من دونها لن يستطيع أي شخص أو شعب أو سلطة تحرير شبر واحد من الأراضي الفلسطينينة. فما قولنا إذا كنّا شعباً متخاذلاً وسلطاتٍ متاجرة ومتعاونة على ضرب هذا الشعب العنيد وتشريده وتفتيته؟

ورث الشعب العربي، أقلّه الأجيال الجديدة، “القضية الفلسطينية” كما ورث العديد من العادات دون تفكير. وباتت لا تشكّل سوى مادة خطابة وصراخ وتهويل تُستعمل على المنابر وفي الجوامع. لذلك، غالباً ما يشعر هذا الشعب بالذنب. الذنب بأنّه عاجز عن فعل أيّ شيء فيما يتقلّب في حيرة قاتلة بين ذهابه “للاستشهاد” والقتال العسكري وبين البقاء في وطنه مع عائلته.

ما أشعر به من غضب وحزن، أي ما يدور في وجداني، هو أمرٌ شخصي، لست بحاجة الى إظهاره الى الملء حتّى أثبت لمن يقرأ بأنني “أحزن” على فلسطين. وأنا لست أنتقد المشاعر النبيلة التي يمكن أن تنتاب أي فردٍ صادقٍ منّا، إنما أنتقد “المغالاة” بالتصاريح والتعليقات التي تُنسى بعد ثوانٍ من كتابتها.

فلسطين لن تحرر على يدنا حتى ولو باتت “قضية مركزية”. لكن القوة لن تتنزّل من السماء فجأة. بل لا بدّ من تحصيلها. ولا يكون تحصيل القوة إلا بالعلم والتقدّم والتطوّر. ونحن، العرب، أبعد ما نكون في هذه الأيام عن بناء ذاتنا ومجتمعاتنا وتثقيف شعوبنا وحضّهم على اكتساب العلم والإرتقاء من الجهل الى استعمال العقل الذي لم يتعارض يوماً مع الدين. ما الذي يمنع دولنا من إكتساب العلم والتكنولوجيا المطلوبة لتطوير مجتمعاتها كما فعلت الدول الغربية؟ أم من قلّة في الموارد؟ أم الشعب؟

أنا أرى بأن إسرائيل تتخبّط وما الدليل على ذلك سوى إمعانها في بناء المستوطنات والاعتداء على الفلسطينيين الأبرياء وذلّهم وقتلهم بوحشية؛ لدرجة دفعت بالرأي العام الغربي والعالمي الى التنديد بهذه الممارسات الوحشية اللإنسانية. إلا أنّ ذلك غير كافٍ. فلن نستطيع تسلّم زمام أمورنا وتبنّي قضيتنا هذه بجد قبل أن نمتلك القوة. والقوة لا تأتي إلا بالعلم.

علينا أن نصارح أنفسنا: نحن شعوب متخلّفة عن ركب العلم والتقدّم والتقنية. وجماهيرنا أغلبها فقيرة وجاهلة تحرّكها العواطف فتستقيل من العقل. فإذا بقينا على حالنا هذه، فهذا يعني بأنّ “نضالاتنا” ستقتصر على إحصاء مزيد من الشهداء والقتلى الأبرياء، بينما تمضي إسرائيل في ابتلاعها لفلسطين بأكملها وفي تحقيق مخططها لتقسيم وطننا العربي “المقسّم” أصلاً بفضل سايكس-بيكو ووعد بلفور.

الحقيقة أننا خسرنا “حقّ” تحرير فلسطين منذ زمن طويل… “وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” !

جهلنا يقتلنا !

قرأت كمّاً كبيراً من الاستهزاء والسخرية بموضوع بعض الشعائر الإسلامية، مما جعلني أتأمّل في كيفية صياغة “عقول” الناس لهذه التعابير التي “تصنّف” و”تستعلي” و”تلغي”.

فهي تصنّف الناس ضمن فئات. منها الكافر ومنها المؤمن ومنها الوسطي ومنها الملحد. وهي تستعلي باستخدامها الدين لإعطاء ذاتها مكانة أعلى من الآخر لا بل أعلى من كلّ الأمم البشربة على وجه الكرة الأرض. وهي تلغي الآخر بحيث لا تعترف بوجود رأي مخالف لآرائها. فلا تتقبله ولا تناقشه بل “تقمعه” وتستهزء به. وللأسف، لم أجد أحداً يمارسُ هذه الأفعال الثلاثة مثلما يمارسها المسلم في بلادي.

وأنا غالباً ما أنأى بنفسي عن النقاشات، العلنية خصوصاً، التي تتعلّق بمواضيع دينية لسببين رئيسيين: الأول هو أنني حريص على أن أكون صادقاً مع نفسي وأعلم بأنني لست باحثاً ولا عالماً ولا فقيهاً في الدين الإسلامي. فأنا لا أملك الحجج المنطقية المطلوبة لأنقض “معتقدات” الغالبية من المسلمين في ممارستهم الموروثة على مدى قرون من الزمن. فإن فعلي سيكون مشابهاً لما يفعله أولئك الذين يستهزؤون ويسخرون ويسخّفون شعائر الدين الإسلامي دون حجة أو منطق أو بديل. إنتقاد بحت لأجل “المخالفة” فقط !

والثاني هو لإدراكي، بفعل التجربة البسيطة، بأنه من الصعب محاورة الناس في معتقداتها التي تصلّبت وتجذّرت في أذهانها، وهي التي اكتسبتها “نقلاً” عن آبائها وأجدادها دون أيّة “مراجعة” أو “فهم” أو “تطوير”. فلقد تخطّت هالة هذه المعتقدات أهمية ركائز الدين الإسلامي ومبادئه ومفاهيمه التي قام عليها.

ربّما يكون هناك العديد من المفاهيم والممارسات، في الدين الإسلامي، تحتاج الى “إعادة نظر” أو “تفسير” حتّى تتوافق مع جوهر الإسلام أولاً، ومن ثمّ مع تطورات المجتمعات الإنسانية. ولكن لا يختلف عاقلان على أن “الإسلام” يغيب عن مجتمعات وبلدان المسلمين، ليس لضعف في رسالته أو خطأ فيها، بل بسبب أخطائنا الشخصية الفردية والجماعية، بحقّ أنفسنا وبحقّ مجتمعاتنا؛ وبسبب تمسّكنا بأفكارنا المسبقة الموروثة عمّن قبلنا دون أن نتكلّف عناء البحث عن مقاصد أو معاني أو فوائد أو جدوى الشعائر الدينية.

فكيف يمكن لنا أن نقول بأننا نحمل “أهم وأسمى” رسالة دينية وإنسانية فيما مجتمعاتنا تعاني من الجهل والفقر والخنوع والظلم والكره والحقد والتعصّب والتفرّق. فنحن نقتل بعضنا بعضاً، ويهجّر بعضنا البعض الآخر من وطنه وأرضه وبيته، ونتآمر على بعضنا البعض، ونرضخ خانعين لحكّام فاسدين ونولّي ملتحين متكسّبين أمور ديننا وهم يشوّهون مبادئ هذا الدين خدمة لمآربهم ويرهّبون كلّ من خالفهم أو ناقشهم أو عاندهم.

هذا الاستهزاء والسخرية هي الدليل القاطع على ضيق عقولنا وتعصّبنا واستعلائنا ظنّاً منّا بأننا أدرى وأعلم وأفقه ممن يناقشنا. فأولى علامات الإنسان الجاهل هو اعتقاده بأنه يملك الحقيقة بيده.

والمسلمون، عامّة، يعتبرون بأنهم يملكون الحقيقة لمجرّد انتمائهم للدين الإسلامي دون عناء استعمال عقولهم للإيمان وممارسة الدين الصحيح.

فيا لجهلنا القاتل !