لا وطن بلا كرامة !

غالباً ما تحتوي الصحف اللبنانية على فقرة، صغيرةٍ، تهدف الى إلقاء الضوء على قضايا معيّنة عبر نقلها “لهمسات” أو “أسرار”” بتجرّد. ومن خلال متابعتي لهذه “الهمسات” أو “الأسرار”، قرأت “السرّ” التالي في صحيفة السفير. مفاده: “تسعى شخصيات سياسية وإعلامية للتقرّب من فريق العمل الجديد الذي يدير أوضاع دولة خليجية كبرى بهدف الحصول على مساعدات مالية”. ولفتني بأنّ هذه هي الثقافة السائدة في الأوساط السياسية في لبنان. ثقافة المال وشراء ذمم الناس وجعلهم من الأتباع.

هذه الثقافة التي مُورست واتُخذت منهجاً لكل طامحٍ ولاهثٍ خلف المناصب، هي التي سمحت بهدم كلّ القيم الإجتماعية التي كان يقوم عليها هذا الوطن. وامتدت بعد ذلك لتشمل الحياة الاجتماعية للناس. فأصبح التفاخر بالأموال والذهب والأملاك هو المعيار لتحديد أهمية الشخص. فلم يعد مهمّاً أن يكون الشخص ذو أخلاقٍ حميدة، أو علمٍ وفير، أو سيرة حسنة. لا بل على العكس، قد تُتّهم في بعض الأوساط أنّ صفة “الآدمي” أصحبت ترادف كلمة “مغفّل”. لقد باع المجتمع كرامته حتّى أصبح الاستثناء قاعدةً وانقلبت القاعدة استثناء.

وربّما هذا هو السبب الحقيقي الذي ما زال يدفع بالكثير من اللبنانيين الى البحث عن لقمة عيشهم خارج حدود هذا الوطن حيث يستطيعون العمل والعيش بكرامة محفوظة. أليس هذا مخجلاً للبنان ولدولته وساسته والقيمين عليه؟

أليس مخجلاً بأن تمرُّ أخبار اللبنانيين الذين يلجأون الى البحر هرباً، من “العدم” الذي يعيشون فيه، لدى الكثيرين مرور الكرام؟ هؤلاء اللذين يلجأون الى الهجرة، الشرعية وغير الشرعية، ويعرّضون حياتهم وحياة أزواجهم وأولادهم للخطر والموت لقاء البحث عن “كرامتهم” التي هُدرت وسُلبت من دولتهم وساستهم وزعمائهم.

نعم، الكرامة أغلى من كلّ شيء؛ حتّى من أرض الوطن.

فأيّ “وطنٍ” هذا الذي يعيش أكثر من نصف سكّانه تحت خطّ الفقر؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يشحذ فيه المواطن لقمة عيشه وطبابته وعلمه ومسكنه؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي تَطمر فيه النفايات طرقاتنا وأحيائنا بدل أن تُطمر؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يحمي المجرم والهارب والمطلوب والسارق؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يستشهد فيه عناصر جيشه على أبواب البارات كرمى عيون المجرمين؟ ويجوب المطلوبون فيه الطرقات بوقاحةٍ لأن الدولة قاصرة، لا تستطيع تنفيذ مذكرة توقيف بحقّهم؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي تتوزّع فيه الوزارات على الأحزاب والطوائف؟

لقد جعل منّا هذا “الوطن”، المملوء بالفساد والعفن الطائفي، غرباء حتّى بتنا نحسّ بأننا لا ننتمي إليه. فلقد أمسى حلمنا أن ننتمي الى أرضٍ يُطبّق فيها القانون وتُحفظ فيها كرامات الناس وتعمل الدولة على خدمة الناس وليس العكس.

فلا حاجة لنا لقوانين تساعدنا على استعادة الجنسية، لأنّ لبنان لن يستعيد شعبه الخيّر ولا مثقفيه ولا المتعلمين الناجحين في الدول الغربية، إلا إذا استطاعت دولته أن تعيد الكرامة لشعبه وأن تقدّم نفسها في خدمته.

نعم، الكرامة أغلى من كلّ شيء… حتّى الوطن !

Advertisements

“المارّون بين الكلمات العابرة”

وقاحة بنيامين نتنياهو لا تعرف حدوداً. فهو يتجرّأ حيث لا يتوقعه أحد. وذلك كلّه لتحقيق أهداف دولته الإستيطانية. لذلك، كلّ شيء لديه مباح. وهو يُظهر هذه الوقاحة، يومياً، عبر تجاهله الكامل والعلني للقوانين والشرعات والمؤسسات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان العالمية.

ولكن هذه المرّة راودت عقله المريض، فكرة تغيير التاريخ. فقد “اختلق” حواراً بين هتلر ومفتي فلسطين، في ذلك الوقت، الشيخ أمين الحسيني خلاصته أن الأخير هو من اقترح على هتلر فكرة حرق اليهود. وقال بأنّ هتلر كان ممانعاً لهذه الفكرة إلا أن إصرار المفتي “أقنعه”.

فانقلب السحر على الساحر. وبات يحاول صدّ الهجوم الساخر على أقواله من الداخل الإسرائيلي قبل الخارج. حتّى ألمانيا، التي حاول كسب ودّها قبيل زيارته لها، أصابته بخيبة بعد أن صرّحت أنجيلا ميركل بأنّ المحرقة هي من فعل النازيين بقيادة هتلر. هكذا تناثرت أوهام نتنياهو هباءً.

لكن لا بدّ من التساؤل: ما هو الدافع وراء هذا التخريف؟

لا يمكن أن نتجاهل بأنّ نتنياهو هو إبن المجتمع الإسرائيلي. أي هو من نسيجه وطريقة تفكيره والمبادئ التي تربّى عليها. والمجتمع الإسرائيلي يعيش في “فقاعة” أوهامٍ رسختها سياسيات الحكومات المتعاقبة عبر استخدام الإعلام لخلق رأي عام، مغسول الدماغ، يؤمن بحقائق مزورة ووقائع خاطئة.

وفي مؤتمر أقيم في الولايات المتحدة الأميركية بداية العام الحالي، قال الصحافي في صحيفة هآرتز جدعون ليفي، بأنّ المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة إنكار وبإنقطاع تامّ عن الواقع “الوحشي” حوله. وعدّد مبادئ ثلاث يقوم عليها هذا المجتمع هي:

أولاً، الإيمان “العميق” لدى الغالبية الكبرى من الإسرائيليين بأنهم هم الشعب المختار. وكونهم كذلك، فلهم الحقّ بأن يفعلوا ما يشاؤون.

ثانياً، تظهير إسرائيل على أنها الضحية، لا بل الضحية الوحيدة ! فلم يسجّل في التاريخ أي محتلّ أظهر نفسه بأنه ضحية لما يحصل كما تفعل إسرائيل. ويُردّ ذلك الى المحرقة وعقدتها التي أصابت المجتمع كلّه. ولعل هذا ما دفع بغولدا مائير للقول بأنّه “بعد المحرقة، أصبح لليهود الحق بفعل ما كلّ ما يريدون”.

ثالثاً، وهو المبدأ الأهم والأسوأ في آنٍ معاً، التجريد الممنهج للفلسطينيين من “إنسانيتهم”. أي بجعلهم أدنى مرتبة من اليهود ما يسمح لهم بأن يستعبدوهم ويحتقروهم في ظلّ التجاهل التامّ لكافة القوانين والشرائع الدولية التي تحمي حقوق الإنسان.

ونتنياهو نشأ على هذه المبادئ، سواءً اقتنع بها أم لا. إلا أنّه يعرف بأنها “مزروعة” في نفس كلّ إسرائيلي نتيجة التلقين الممنهج والمستمر لسنوات. لذا، فهو يسعى كمن سبقه الى بناء “وطن اليهود”. وقد وجّه دعوة الى كلّ اليهود في العالم، قبل الآن، للقدوم والعيش في “وطنهم” إسرائيل.

لربّما ظنّ نتنياهو بأنه يستطيع فعلاً تغيير مسار التاريخ. فهو يتخبّط داخلياً في ظلّ انتفاضة السكاكين؛ وبعد وصف معلّقين إسرائيليين لحادثة بئر السبع بأنها فشل ذريع للجيش الإسرائيلي؛ وبعد انحسار الإهتمام الدولي به وبدولته. لذلك، لجأ الى تشويه صورة الفلسطينيين وإلقاء عبء المسؤولية بأهمّ مأساة أصابت اليهود، فيتّخذ من ذلك ذريعة لزيادة القتل والتدمير وقضم الأراضي  وبناء المستوطنات بهدف تهويدها.

ولكن ما لا يدركه نتنياهو، هو أنّ هذه المبادئ التي يقوم عليها المجتمع الإسرائيلي هي التي ستقضي عليه. فإسرائيل دولة “طارئة” و”مصطنعة”، تُختصرُ “حضارتها” بثلاث: إنعدام “الأخلاق”، إنتشار “الظلم” وكثرة “القمع”.

لذلك، هي الى زوال !