“يا مُنى اللاجئين” في ألمانيا !

لا بدّ أن تكون أنجيلا ميركل هي “إمرأة العام”. فقد أوردت وكالات الأنباء العالمية عن قرار اتخذته الدولة الألمانية بتوظيف ثمانية آلف وخمسمئة مدرس جديد لتعليمِ اللغةِ الألمانية لأطفالِ اللاجئين، بالإضافة الى تجهيزُ نحو عشرةِ آلاف فصل خاص لهذا الغرض. وذكر الخبر بأنّ التحدّي الكبير الذي ينتظر المعلمين الجدد، لا يتمثل فقط في تعليم لغة جديدة لطلاب أجانب، إنما في تعويض السنوات التي أضاعها الأطفال في ظل الحرب وتبعاتها. 

العلم ! هذا ما تقدّمه ألمانيا لأطفال اللاجئين علاوةً على المقومات الأساسية، البديهية، اللازمة للعيش من مسكنٍ وأكلٍ ومال. هكذا وبدون أيّ احتجاج أو مطالبة، التزمت الدولة بأنّ تؤمّن سبل العلم باعتباره حقّاً مكتسبًا لكلّ إنسان بصرف النظر عن عرقه ودينه وأصله ولونه. (واستطرادًا، تؤمن ألمانيا العلم في الدور الرسمية بالمجّان. ويرقى برتبته الى مصاف الجامعات الخاصة العالمية)

استوقفني هذا الخبر الذي حاولت جاهدًا أن أجد له مثيلًا في وطني لبنان دون أن أفلح !

لبنان الذي يتغنّى أبناؤه بأنّهم أصحاب علمٍ. إلا أنّهم استقالوا من اكتسابه والسعي إليه وخاصّة إذا تقدّم بهم العمر. لبنان الذي “نفتخر” ببعض جامعاته “الخاصّة”، لا “الرسمية” التي أصبحت نموذجًا مصغّرًا عن الفساد والاهتراء والتقوقع والجهل المستشري في مجتمعنا. وباتت مكان تجمّع الأساتذة الفاسدين وغير المؤهلين، خائني أمانة التعليم، والذين يحللون لأنفسهم أن “يتكسّبوا” من أموال الجامعة دون أنّ يقدّموا الحدّ الأدنى من المقرارات المطلوبة، وهذا أضعف الإيمان. ناهيك عن المعلومات المغلوطة ومناهج التدريس القائمة على اعتبار الطلّاب “ببغاوات” تردد ما كُتب بدلًا من تنشيط العقل والمنطق وتنمية منهج التفكير والتحليل والاستنباط.

لا شكّ بأنّ الدولة اللبنانية مجبرةٌ على تأمين التعليم والاعتناء به. وإذا كنّا نعلم يقينًا بأنّ الفساد ينخرها من رأسها حتّى “أخمص قدميها”، وبأنّ التعليم هو في أدنى سلّم أولوياتها التي تتمثّل بالسرقة والبهورة، إلا أنّ ذلك يجب ألا يمنع الناس من تحصيل العلم ومن المساعدة على تأمينه للغير.

فهل يمكن أن نتخيّل، أيّ نوعٍ من المجتمعات كنّا سنكون، لو أنّنا أَولَينا العلم واللغة والقراءة نصف الاهتمام الذي نوليه لمظهرهنا وجاهنا ومناصبنا وزعمائنا وسياراتنا وملابسنا وتفاخرنا وتشاوفنا، بدل أن نتساءل عن سبب تراجع قيمنا وحضارتنا وأخلاقنا وفكرنا وحتّى لغتنا؟

المجتمع هو المرآة العاكسة لصورتنا الحقيقية وما نزرعه من تربية في الأجيال القادمة. فلو أننا زرعنا، بمثابرةٍ وثبات، العلم في أنفسنا وأولادنا وطلّابنا، لما نتج لنا مجتمع تملؤه الكراهية والحقد ويأرجحه التعصّب الأعمى يمينًا أو شمالاً، ولما كنّا نتزلّف على أبواب الحكّام والزعماء نستجدي حقّاً هو من بديهيات الأمور!

نعم العلم !

العلم هو السبيل لارتقاء الأمم والمجتمعات. وما حال مجتعمنا اللبناني الحالي إلا الدليل على مدى تراجع العلم فيه.

هنيئًا للاجئين في ألمانيا، و”هنيئًا” لنا بجهلنا وحكّامنا الفاسدين.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s