“الثقة” تحمي النظام !

يُجمع الباحثون على أنّ ثقة المواطن بدولته هو عنصر أساسي لاستمرار النظام السياسي. ويستند هؤلاء الى مؤشرات مختلفة لقياس درجة هذه الثقة. أهمّها: أولاً، الاستقرار السياسي. ويُنظر بذلك الى نمط انتقال السلطة، شرعية النظام وقوته وقدرته على حماية المواطنين والى تداول السلطة. ثانياً، مدى مشاركة المواطنين في العملية السياسية. ويُقصد هنا المشاركة في الاستحقاقات أو الانتخابات، سواءً نيابية أو بلدية أو غيرها. وثالثاً، شفافية السلطة في التعامل مع المواطنين ودرجة المساءلة الفعلية.

فأين تقع الدولة اللبنانية بالنسبة الى المؤشرات الثلاث؟

فيما يتعلّق بالاستقرار السياسي وتداول السلطة، لبنان يستند الى النظام البرلماني الديمقراطي القائم على حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية. ولكن هذا حبر على ورق. في الواقع، لبنان دولة قائمة على المحاصصة الطائفية، لا بل المذهبية، وتتداول السلطة عن طريق التوريث السياسي أو المال.

أمّا بالنسبة الى مشاركة المواطنين في العملية السياسية، فلقد بات واضحاً مدى التململ والقرف واليأس على صعيد النخبة الكبيرة من الشعب، والتي تعبّر عن ذلك برفضها المشاركة في الاستحقاقات والانتخابات ليقينها بأنّ المال المدفوع لشراء الذمم يتحكّم بالجمهور الفقير، مضافاً إليه الشحن الطائفي الذي يسيطر على عقول الناس ويدفعها الى “الانتقام” من مذاهب أو طوائف أخرى عبر التصويت لممثلين فاسدين.

وأخيراً، الشفافية والمساءلة. وهنا لبّ المشكلة. لم تتصرّف الحكومات المتعاقبة على الحكم في لبنان، أقلّه بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف، بشفافية مطلقة مع الشعب. لا بل عمدت الى العكس. إلا أنّ ذلك لم يكن ممكناً، أو لم يكن ليتمادى، لو أنّ الشعب قام بالمساءلة الحقيقية من خلال عدم تجديد الوكالة للممثليه الفاسدين.

إذاً لبنان، بناءً للمؤشرات المذكورة، هو “فاشل” سياسياً !

كيف للمواطن أن يثقّ بدولته فيما تكون كلّ ممارستها للسلطة تأتي خلاف حقوقه ومصالحه؟ وكيف للمواطن أن يُحبّ دولته وأن يسعى الى تطويرها والامتثال الى قوانينها وأنظمتها إذا لم يكن يثق بها وبقدرتها، هي، على حمايته وتأمين احتياجاته وصون حقوقه؟ وكيف للمواطن أن يثق بهذ الدولة اللبنانية بالمطلق وهي ما فتأت تعطيه دليلاً تلو الآخر عن عجزها وضعفها وفسادها وسطوتها وفجورها وظلمها ؟

ربما آن لهذه السلطة أن لا تتخفّى خلف إصبعها بعد الآن. وأن تواجه الحقيقة، وإن كانت صادمة، بأنّها لا تتمتّع بثقة مواطنيها. وبأنّ النتيجة، الحتمية، لمسارها الحالي في ممارسة السلطة وطريقة تعاملها مع المواطنين هي سقوط النظام السياسي في لبنان.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s