العدالة تستوجب استقلالية القضاء

منذُ أيّامٍ، مثُلت أميرةٌ إسبانية، وهي شقيقةُ ملكِ البلاد، أمامَ القضاء. فهي متّهمةٌ بالاشتراكِ بجرم التهرّبِ من الضريبةِ فيما يواجه زوجُها اتهاماتٍ أكبر منها اختلاسُ الأموالِ العامّة. لم تتدخّل “الواسطة” لإخراجِ المتهمةِ وزوجِها من المحاكمةِ كونها من السلالةِ الملكية. لا بلْ تُركَ أمرُ تحديدِ براءتِها في يدِ القضاء. والأدلّةُ هي الحَكَم. ولقد حدثَ ذلكَ دونَ أيّةِ جلبةٍ أو اعتراضاتٍ شعبيةٍ أو تظاهراتٍ مندّدةٍ.

واسبانيا ليست الأولى ولا الأخيرة. فتُهم الفسادِ واستغلالِ النفوذ والتهرّب من الضرائب وسرقة المال العام لاحقت العديدَ منَ الحكّامِ والمسؤولين حول العالم. من الرئيس الأندونيسي الأسبق سوهارتو، الى يوليا تيموشينكو رئيسة وزراء أوكرانيا السابقة، الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. بالإضافة الى العديد من الضباط والرؤساء الذين حوكموا بتهمِ الإضطهاد والقتل والإبادة. كلّ هذه المحاكمات، تثبت بأنّ القضاء، إذا ما تحلّى باستقلاليةٍ وحياديةٍ بالحدّ الأدنى، لا بدّ أن ينالَ المذنبُ عِقابَه. وأغلب البلدان المذكورة، هي من الدول التي تفتخرُ باستقلالية القضاءِ فيها وحمايتها للعدالة بين حميع المواطنين ومساواتِهم تحت سقفِ القانون.

يشكّلُ القضاءُ عماداً أساسيّاً لثباتِ المجتمعاتِ واستقرارِها. وهو يساعدُ، باستقلاليتِهِ ونزاهتِهِ، أن يجعلَ ثقةَ المواطنِ بالقانونِ والعدالةِ والدولةِ أكبر. فرسالتُهُ هي أنّ “المرتكبَ”، مواطناً كانَ أم وزيراً أم رئيساً، لا بدّ أن ينالَ جزاءًا على مخالفتِهِ القوانين. وأنّ حصانتَه، خارجَ إطارِ وظيفتِهِ، هي ساقطةٌ.  بذلكَ، يؤمنُ المواطنُ بإلزاميةِ القانونِ وبوجوبِ إتباعِ القواعدَ المنصوصِ عليها وبأنّه ما من أحدٍ يستطيعُ التهرّبَ من سلطةِ القانون.

فلا قيمةَ للقانونِ إذا لم يكن القضاء عادلاً، نزيهاً ومستقلّاً. فحينَ تتدخّلُ الأحزابُ السياسيةُ في عملِ القضاءِ، يُصبِحُ مفهومُ العدالةِ خاضعاً لأهواءِ ورغباتِ السياسيين ومرهونٌ بتأمينِ مصالحِهم ومصالح أزلامِهم. ولذلكَ مخاطرَهُ الكُبرى، التي تجعلُ القضاءَ عُرضةً لانتقادات “العامّةِ” ودخولِه في “بازارِ” الخطاباتِ والتنديداتِ السياسيةِ. فينقسمُ الرأيّ العام بينَ “موّيدٍ” و”معارضٍ”. هذا يعني أن يصبحَ القضاءُ، في أذهانِ النّاسِ، “متحيّزاً” وغير حياديّ. أيّ أنّ يفقدوا ثقَتهُم بِه.

وخير دليلٍ على ذلك، هو ما جرى مؤخراً في لبنان من تنديدٍ بالقضاءِ حتّى ولو طبّقَ القانونَ بحاذفيرِه. فعقولُ النّاسِ مغلقةٌ ومغلّفةٌ بالحقدِ الطائفيّ والمذهبيّ، المشحون يومياً في الإعلامِ. فلم تعُد العدالةُ تعني إلا ما تهواهُ الغرائز لا ما توقِنُهُ العقولُ الواعيةُ والموضوعيةُ.

رهنَ سياسيو لبنان كلَّ شيءٍ خدمةً لمصالِحهم. وها هم يمدّون هيمنَتَهم على القضاءِ، آخرُ أملٍ لنا وآخرُ ما تبّقى من “معالم” العدالةِ والقانونِ في هذا الوطن !!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s