“أفلا تعقلون”…

في خضمّ اللهيب الطائفي، لا بل المذهبي، الممتدّ على طوال البلاد العربية والإسلامية، والمرشّح للتوسّع وسط ما نشهده من ممارسات قاصرةٍ للدول أصحاب القرار، يتبادر الى ذهن العاقل بأنّ التصرّف الأنسب هو النأي بالنفس عن كلّ السجالات التي من شأنها أن تزيد من الإنقسام والشرذمة وتنشر الحقد في نفوس المواطنين.

إلا أنّ هذا، لم يكن خيار الأزهر، “الشريف”، الذي كنّا نأمل أن يكون أقرب الى التعقّل والانفتاح والتسامح في وقتٍ يحتكم فيها “ولاةٌ أمرنا” الى التطرّف والعناد اللذين يخلقان جهلاً وتقوقعاً وكراهيةً لدى “الرعيّة”. فلم يطِبْ للأزهر “الشريف”، في عزّ هذا التحارب الطائفي، إلا أن ينكأ جراحاً لم تضمد بعد. تلك الجراح التي ورثناها بسبب قلّة تبصّر “الحاكم” أو “السلطان” أو “القائد” وانصياعه لشهوة الحكم والسلطة والقوّة.

فآخر “إبداعات” هذا المجمع، أنّ القيّمين عليه طلبوا من الأساتذة لديه والباحثين أن ينكبّوا على “تفنيد” نظرية “ولاية الفقيه” المعتمدة في إيران. وكان قبل ذلك بأشهر، قد أجرى مسابقة للطلّاب لديه، بجوائز مالية كبيرة، موضوعها “نشر التشيّع في المجتمع السنّي ومخاطره”. وقبل أن يثور الغيارى، “السُنّة، على مذهبهم، أودّ أن أشير الى أنّ جدّي (رحمه الله)، كان عضواً دائماً في مجمع البحوث في الأزهر، ولم أقرأ في أيّ من الدراسات والأبحاث التي كانوا يجرون، أيّ مادّة تبحث ما يُبحث في أيّامنا هذه.

لقد سقط الأزهر في “دهاليز” الفكر الديني الضيّق. وألزم نفسه ببحث أمورٍ تفتح الباب على جدل سفسطائي كبير، بدل أن يترفّع عنها وأن يكون صرحاً وعنواناً برّاقاً للإسلام ولرحمته وسماحته وعالميته. كان من الأجدر بهذا المركز أن يهتّم في سبّل أو مناهج تطوير الدين وتفسيره بما يتناسب مع حياة الناس ويعكس غاياته ومقاصده الحقيقية التي شوّهها كثيرون ممّن تلبّسوا، زوراً، عباءة “المشخية” وأفتوا بما يجهلون.

لا يحتاج الإسلام الى تفريقٍ بين مذاهبه بل يحتاج الى تعقّل وانفتاح وعلم. يحتاج الى عقول مستنيرة، تعتمد القرآن كمصدر أوّل ورئيس، في التشريع والتفسير وتسهيل أمور العباد وإرشادهم الى سبل الحقّ والعدالة والمساواة التي ينادي بها ديننا.

لا نحتاج كمسلمين الى مجمعٍ يزيد من انقسامنا وتشرذمنا. بل نريد “قدوةً” عاقلةً، تتعالى عن السجالات التي لا نفع فيها، وتخوض في تثقيف وتربية المسلمين وفقاً لمبادئ وأخلاق القرآن. فنحن أبعد ما نكون اليوم عن هذا الدين. نهرع الى المعاصي لإثبات “انفتاحنا”، ونغالي في اتباعنا الزعماء الفاسدين والفتاوى الخاطئة والتقاليد الموروثة لإثبات “سنُّيتنا” ! فأيّ تناقضٍ هذا؟!

كان من الأجدى للأزهر “الشريف”، أن يعالج القصور في حياة المسلمين، التي تبدأ من تعاملهم مع أنفسهم ثمّ مع أهلهم وأقربائهم وجيرانهم والغرباء ودولتهم وحكّامهم. لعلّ شبابنا يُقبل على فهم الدين من زاوية العقل عوضاً عن النفور منه نتيجة الترهيب والتخويف والتهويل الممارس من خطباء المساجد.

الإسلام هو دين العقل أولاً وآخراً. وهو يدعو الى فهمه والإيمان به بواسطة العقل وليس بواسطة الممارسة الآلية للعبادات. حبّذا لو أحصينا عدد الآيات في القرآن التي خاطب الله بها عقولنا !

“أفلا تعقلون”؟!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s