! “فأقم عليها مأتمًا وعويلا…”

طرابلس هي “أسوأ مدينة للعيش على المتوسّط” وفقًا لتقارير الأمم المتحدة التي تشير الى أنّ ٥٨٪ من سكّانها يعيشون تحت خطّ الفقر. ولا يخفى على المتابع بأنّ تدهور الوضع الإقتصادي ناتج، بشكلٍ كبير، عن الأزمة السورية الممتدّة منذ خمس سنوات. إلا أنّ “المركزية” التي قام عليها لبنان، ساهمت كلّ هذه السنوات، ببطء ولكن بثبات، في إفقار المدينة وتجريدها من كلّ المداخيل، التي كانت موجودة أو محتملة، لصالح صبّ كل الإيرادات في المرافق الحيوية الأسياسية في بيروت.

فأُهمل “معرض رشيد كرامي”. وتُركت “المصفاة” ومنشآتها للتآكل ما أدّى الى عدم إمكانية استثمارها في مشاريع جديدة. وحُورب “المرفأ”، بكافّة الطرق، علمًا أنّه الأفضل من الناحية الجغرافية والعملية لاستقطاب العديد من السفن التجارية ما ينشّط الحركة فيه وفي المدينة.

ولعله يكون هناك بعض من التكرار في إلقاء جزءًا من المسؤولية على القيادات السياسية التي تعاقبت على تمثيل طرابلس، بأنّها أهملت مصلحة المدينة والمدافعة عن حقوقها في سبيل مصالحها “الزعاماتية” والشخصية. إلا أنّ الطرابلسيين ليسوا براء من هذه المسؤولية. لا بل أنّهم يتحمّلون الجزء الأكبر منها. ولهو من الخطأ، والجُبن، أن يهرب الواحد منّا من مصارحة ذاته والاعتراف بأنّ تخلّينا عن واجباتنا الأساسية تجاه هذه المدينة، أدّى الى حالة من التراخي واللامبالاة التي طبعت تصرفاتنا تجاه طرابلس.

لكنّ مشكلتنا الحقيقية هي في غياب الأخلاق عن حياتنا اليومية مع بعضنا البعض. وإلا لما كنّا رأينا “الغشّ” و “الخداع” يكثر في كافّة المهن الخاصّة، ولما كان الفساد نمى في دوائرنا وشركاتنا ومؤسساتنا ونقاباتنا لولا أنّنا شجّعناه تحقيقًا لمصالحنا الشخصية على حساب المصلحة العامة وبالتعدّي على حقوق الآخرين. فقد غابت الأخلاق الحميدة عن كافّة تعاملاتنا سواء في الطبّ أو المحاماة أو الهندسة أو التجارة. وحلّ مكانها الغش والفساد، فيما نظّن بأنّ  ذلك “شطارة”. إنّما هو سرقة للناس وتعدّ على الحقوق.

أين “الشطارة” في أن يشيّد مهندس أو مقاول بناءً بمواد مغشوشة أو رخيصة؟ وأين “الشطارة” في أن يجعل الطبيب أو الصيدلي المريض حقل تجارب لمختلف الأدوية أو أن يبيعه دواء مزوّر؟ وأين “الشطارة” في أن يكذب المحامي على موكّله فيُفقده حقّه أو أن يبيع ملّفه برشوة من الخصم؟ وأين “الشطارة” في عدم تسديدنا لحقوق الغير المترتبة في ذمّتنا؟

أليست هذه الأخلاق التي نتعامل بها مع بعضنا في طرابلس؟

لن نخرج، كطرابلسيين، من هذه الحالة إلا إذا عُدنا الى قيمنا الأساسية وتمسّكنا بأخلاقنا التي كانت تميّز مدينتنا. قيم التضامن مع المجتمعات الفقيرة والشعور بمعاناتها، والتآخي والتسامح والتراحم فيما بيننا، والتغاضي عن أذية الغير في ماله أو كرامته، والترفّع عن النميمة وبثّ الفتن بين الناس، والتواضع لكل الناس بدلًا من التشاووف، والصدق في أقوالنا وأعمالنا بدلًا من الغش كمسكب سريع للمال.

طرابلس اليوم، مدينة منكوبة إقتصاديًا، اجتماعيًا، سياسيًا وأخلاقيًا… فهل نقيم “المأتم”؟!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s