الحُرّيَةُ شَرْطُ الكَرَامَةِ !

من المهمّ أن يتخلّى الطرابلسيون عن تحزّباتهم وأفكارهم المسبقة حين يخوضون في أمور تهمّ مصلحة المدينة. وأوّل خطوة على هذا الطريق، هي الاعتراف الصريح والصادق بأنّ المدينة حُرمت وأُقصيت، على مدى سنوات عديدة – سواءً في ظلّ الوجود السوري في لبنان أم بعده – عن الخارطة الإنمائية والإقتصادية والإجتماعية للوطن بقرار – لا بلْ بتواطؤ ضمني – من القيادات السياسية اللبنانية كافّة، والطرابلسية بشكلٍ خاص.

والخطوة الثانية في هذا المسار، تكمن في قيام المواطن الطرابلسي بمصارحة ذاته ومحاسبة كلّ سياسي مثّل طرابلس – في مقعد نيابي أو وزاري أو رئاسي – عن إخفاقه في حماية حقوق المدينة وأهلها وعن نكثه لحبلٍ طويلٍ من الوعودِ، بعيدًا عن التبريرات النابعة من “المشاعر” الشخصية تجاه هذا السياسي أو ذاك، وبعيداً عن أيّ تأثيرٍ طائفي أو مذهبي.

إنّ انتقاد أيّ سياسي لبناني بشكلٍ عام، وطرابلسي بشكلٍ خاص، بما يعلنه من مواقف وما يمارسه من تصرّفات تجاه مدينة طرابلس، ليس موجّها الى سياسيين حديثي الوجود أو تسلّموا مقاليد الحكمُ بالأمس أو قادمين من خارج الاصطفافات السياسية التقليدية، بل هو انتقاد لطبقةٍ سياسيةٍ بايعها الطرابلسيون على مدى خمسة وعشرين عاماً تحت مسميات “الظلم” و”نبذ الوصاية” و”استرجاع الحقوق” و”صون كرامة الطائفة أو المذهب” – وهي ذاتُها التي تُستحضرُ اليوم كلّما دعت الحاجة إليها. فلقد اعتدنا على إغراقنا بالوعود والتصاريح وعقد المؤتمرات، وبُشّرنا بملايين كثيرة. لكنّ واقع المدينة لا يترك لنا مجالاً لإغفال، حتّى ولو اجتهدنا في ذلك، فضيحة انعدام الإنجازات والأفعال والمشاريع والخدمات. نحن نتحدّث عن نهج سياسي كامل، من نوّاب ووزراء ورؤساء، “تسلبطوا” على المقاعد التمثيلية لطرابلس منذ عشرات السنين، ولم نرَ تقدّمًا إيجابيًا واحدًا في طرابلس.

إنّما من يهتّم ويسعى للقراءة بعين الموضوعية والانفتاح، سيلاحظ بلا ريب، وبسرعة، بأنّ الانتقاد يهدف الى حثّ الناس والمسؤولين على الالتفات الى مصلحة مدينتهم والى الغبن الذي تزرح تحته، علّنا نوحّد الهمم لرفع شأن مدينتنا بدلًا من إظهارها وكأنّها تنتظر “منّةً” من هنا أو “صدقةً” من هناك.

هذه “حقوق” قديمة، وقد جفّت أقلامنا وبُحّت أصواتنا ونحن نطالب بها، منذ زمن دون أن تلقى مطاليبنا آذان صاغية. لا شكّ بأنّ طرابلس تمتلك الكثير من الطاقات الواعدة والشخصيات المتعلّمة والمنفتحة والعقول النيّرة، التوّاقة للخروج من قوقعتها، إلا أنّ ما يكمُّ أفواهها ويقيّد تفكيرها ويشلّ حركتها هو هذا “الإرهاب الفكري” الخطير الذي نعيش في ظلّه، والذي يلوم النقّاد ويشرع فوراً في تصنيفهم في خانة “الأعدء” أو “الحسّاد” أو “الحقودين” أو حتّى “خائني الطائفة”، كلّما استجمعوا قواهم ونطقوا بكلمة تخدم المدينة لكنّها لا ترضي “المتزعمين”.

إنّ أولى علامات تحرّر المدينة من قبضة السياسيين، هي تحرّر ألسنة المثقّفين والمتعلمين والعقلاء من أيّ ارتباطٍ شخصي أو نفعي ومن أيّ انصياعٍ لغريزة الدفاع عن الطائفة والمذهب.

فالحرّية شرط أساس للكرامة !

Advertisements