الحُرّيَةُ شَرْطُ الكَرَامَةِ !

من المهمّ أن يتخلّى الطرابلسيون عن تحزّباتهم وأفكارهم المسبقة حين يخوضون في أمور تهمّ مصلحة المدينة. وأوّل خطوة على هذا الطريق، هي الاعتراف الصريح والصادق بأنّ المدينة حُرمت وأُقصيت، على مدى سنوات عديدة – سواءً في ظلّ الوجود السوري في لبنان أم بعده – عن الخارطة الإنمائية والإقتصادية والإجتماعية للوطن بقرار – لا بلْ بتواطؤ ضمني – من القيادات السياسية اللبنانية كافّة، والطرابلسية بشكلٍ خاص.

والخطوة الثانية في هذا المسار، تكمن في قيام المواطن الطرابلسي بمصارحة ذاته ومحاسبة كلّ سياسي مثّل طرابلس – في مقعد نيابي أو وزاري أو رئاسي – عن إخفاقه في حماية حقوق المدينة وأهلها وعن نكثه لحبلٍ طويلٍ من الوعودِ، بعيدًا عن التبريرات النابعة من “المشاعر” الشخصية تجاه هذا السياسي أو ذاك، وبعيداً عن أيّ تأثيرٍ طائفي أو مذهبي.

إنّ انتقاد أيّ سياسي لبناني بشكلٍ عام، وطرابلسي بشكلٍ خاص، بما يعلنه من مواقف وما يمارسه من تصرّفات تجاه مدينة طرابلس، ليس موجّها الى سياسيين حديثي الوجود أو تسلّموا مقاليد الحكمُ بالأمس أو قادمين من خارج الاصطفافات السياسية التقليدية، بل هو انتقاد لطبقةٍ سياسيةٍ بايعها الطرابلسيون على مدى خمسة وعشرين عاماً تحت مسميات “الظلم” و”نبذ الوصاية” و”استرجاع الحقوق” و”صون كرامة الطائفة أو المذهب” – وهي ذاتُها التي تُستحضرُ اليوم كلّما دعت الحاجة إليها. فلقد اعتدنا على إغراقنا بالوعود والتصاريح وعقد المؤتمرات، وبُشّرنا بملايين كثيرة. لكنّ واقع المدينة لا يترك لنا مجالاً لإغفال، حتّى ولو اجتهدنا في ذلك، فضيحة انعدام الإنجازات والأفعال والمشاريع والخدمات. نحن نتحدّث عن نهج سياسي كامل، من نوّاب ووزراء ورؤساء، “تسلبطوا” على المقاعد التمثيلية لطرابلس منذ عشرات السنين، ولم نرَ تقدّمًا إيجابيًا واحدًا في طرابلس.

إنّما من يهتّم ويسعى للقراءة بعين الموضوعية والانفتاح، سيلاحظ بلا ريب، وبسرعة، بأنّ الانتقاد يهدف الى حثّ الناس والمسؤولين على الالتفات الى مصلحة مدينتهم والى الغبن الذي تزرح تحته، علّنا نوحّد الهمم لرفع شأن مدينتنا بدلًا من إظهارها وكأنّها تنتظر “منّةً” من هنا أو “صدقةً” من هناك.

هذه “حقوق” قديمة، وقد جفّت أقلامنا وبُحّت أصواتنا ونحن نطالب بها، منذ زمن دون أن تلقى مطاليبنا آذان صاغية. لا شكّ بأنّ طرابلس تمتلك الكثير من الطاقات الواعدة والشخصيات المتعلّمة والمنفتحة والعقول النيّرة، التوّاقة للخروج من قوقعتها، إلا أنّ ما يكمُّ أفواهها ويقيّد تفكيرها ويشلّ حركتها هو هذا “الإرهاب الفكري” الخطير الذي نعيش في ظلّه، والذي يلوم النقّاد ويشرع فوراً في تصنيفهم في خانة “الأعدء” أو “الحسّاد” أو “الحقودين” أو حتّى “خائني الطائفة”، كلّما استجمعوا قواهم ونطقوا بكلمة تخدم المدينة لكنّها لا ترضي “المتزعمين”.

إنّ أولى علامات تحرّر المدينة من قبضة السياسيين، هي تحرّر ألسنة المثقّفين والمتعلمين والعقلاء من أيّ ارتباطٍ شخصي أو نفعي ومن أيّ انصياعٍ لغريزة الدفاع عن الطائفة والمذهب.

فالحرّية شرط أساس للكرامة !

! “فأقم عليها مأتمًا وعويلا…”

طرابلس هي “أسوأ مدينة للعيش على المتوسّط” وفقًا لتقارير الأمم المتحدة التي تشير الى أنّ ٥٨٪ من سكّانها يعيشون تحت خطّ الفقر. ولا يخفى على المتابع بأنّ تدهور الوضع الإقتصادي ناتج، بشكلٍ كبير، عن الأزمة السورية الممتدّة منذ خمس سنوات. إلا أنّ “المركزية” التي قام عليها لبنان، ساهمت كلّ هذه السنوات، ببطء ولكن بثبات، في إفقار المدينة وتجريدها من كلّ المداخيل، التي كانت موجودة أو محتملة، لصالح صبّ كل الإيرادات في المرافق الحيوية الأسياسية في بيروت.

فأُهمل “معرض رشيد كرامي”. وتُركت “المصفاة” ومنشآتها للتآكل ما أدّى الى عدم إمكانية استثمارها في مشاريع جديدة. وحُورب “المرفأ”، بكافّة الطرق، علمًا أنّه الأفضل من الناحية الجغرافية والعملية لاستقطاب العديد من السفن التجارية ما ينشّط الحركة فيه وفي المدينة.

ولعله يكون هناك بعض من التكرار في إلقاء جزءًا من المسؤولية على القيادات السياسية التي تعاقبت على تمثيل طرابلس، بأنّها أهملت مصلحة المدينة والمدافعة عن حقوقها في سبيل مصالحها “الزعاماتية” والشخصية. إلا أنّ الطرابلسيين ليسوا براء من هذه المسؤولية. لا بل أنّهم يتحمّلون الجزء الأكبر منها. ولهو من الخطأ، والجُبن، أن يهرب الواحد منّا من مصارحة ذاته والاعتراف بأنّ تخلّينا عن واجباتنا الأساسية تجاه هذه المدينة، أدّى الى حالة من التراخي واللامبالاة التي طبعت تصرفاتنا تجاه طرابلس.

لكنّ مشكلتنا الحقيقية هي في غياب الأخلاق عن حياتنا اليومية مع بعضنا البعض. وإلا لما كنّا رأينا “الغشّ” و “الخداع” يكثر في كافّة المهن الخاصّة، ولما كان الفساد نمى في دوائرنا وشركاتنا ومؤسساتنا ونقاباتنا لولا أنّنا شجّعناه تحقيقًا لمصالحنا الشخصية على حساب المصلحة العامة وبالتعدّي على حقوق الآخرين. فقد غابت الأخلاق الحميدة عن كافّة تعاملاتنا سواء في الطبّ أو المحاماة أو الهندسة أو التجارة. وحلّ مكانها الغش والفساد، فيما نظّن بأنّ  ذلك “شطارة”. إنّما هو سرقة للناس وتعدّ على الحقوق.

أين “الشطارة” في أن يشيّد مهندس أو مقاول بناءً بمواد مغشوشة أو رخيصة؟ وأين “الشطارة” في أن يجعل الطبيب أو الصيدلي المريض حقل تجارب لمختلف الأدوية أو أن يبيعه دواء مزوّر؟ وأين “الشطارة” في أن يكذب المحامي على موكّله فيُفقده حقّه أو أن يبيع ملّفه برشوة من الخصم؟ وأين “الشطارة” في عدم تسديدنا لحقوق الغير المترتبة في ذمّتنا؟

أليست هذه الأخلاق التي نتعامل بها مع بعضنا في طرابلس؟

لن نخرج، كطرابلسيين، من هذه الحالة إلا إذا عُدنا الى قيمنا الأساسية وتمسّكنا بأخلاقنا التي كانت تميّز مدينتنا. قيم التضامن مع المجتمعات الفقيرة والشعور بمعاناتها، والتآخي والتسامح والتراحم فيما بيننا، والتغاضي عن أذية الغير في ماله أو كرامته، والترفّع عن النميمة وبثّ الفتن بين الناس، والتواضع لكل الناس بدلًا من التشاووف، والصدق في أقوالنا وأعمالنا بدلًا من الغش كمسكب سريع للمال.

طرابلس اليوم، مدينة منكوبة إقتصاديًا، اجتماعيًا، سياسيًا وأخلاقيًا… فهل نقيم “المأتم”؟!

نحو استعادة قرار مدينتنا

في كلّ مناسبة، نجدد القول بأنّه آن لمدينتنا طرابلس أن تنفض عنها ثوب الحرمان والإهمال والإستغلال. وفي كلّ استحقاقٍ، تتجدّد خيبتنا بالنتائج التي تفرزها الطائفية والمذهبية والتبعية العمياء للزعماء. هم أنفسهم الذين أهملوا، وتخاذلوا وفشلوا، على مرّ السنين في استعادة قرار المدينة، وإيفائها كامل حقوقها.

ولكن ما كان ذلك ليتحقّق لو لم نتخلَّ نحن أيضًا، عن واجبنا بالوقوف بوجه الظلم دفاعًا عن طرابلس ومحاسبة المسؤولين الذين وعدونا بآمالٍ كثيرة ولم يصدقوا. ولما كان ذلك ممكنًا لو لم نترك اليأس يتحكّم بنا وبقراراتنا، فآثرنا مقاطعة الاستحقاقات الرئيسية، ما عبّد الطريق أمام هؤلاء السياسيين بأن يمثّلوا طرابلس بناءًا على الأصوات والذمم التي اشتروها بمالهم، وليس بشعبية عارمة.

لذلك، الآن، قد تكون لنا الفرصة لأن نثبت لأنفسنا، ولطرابلس، بأنّ فئةً كبيرة من رجالها ونسائها وشبابها على استعداد لاستعادة قرارها وتسلّم مسؤولية إنمائها وتقدّمها وبروزها من جديد على الخارطة السياسية للبنان.

الانتخابات البلدية قد تكون المحطّة الأولى لأن يعمل الطرابلسيون الشرفاء، ممّن يرفضون الذلّ والاستتباع والاستغلال والتزلّف لدى السياسيين، على تحصين مدينتهم بمواجهة أولئك الذين سيحاولون مجددًا سلب قرارها وقرار أهلها وتأمين مصالحهم السياسية الشخصية. هذه فرصة حقيقية، لأن تتضافر جهود الطرابلسيين الذي يغارون على مدينتهم ويألمون لظلمها وإهمالها.

فلماذا لا ننظر إليها من زاوية جديدة؟ لماذا لا نبادر نحن الطرابلسيون الى الاجتماع والتشاور والتحاور وترشيح الأسماء، التي تمتلك الكفاءة والقدرة على قيادة المجلس البلدي، ونعمل على دعمها وترشيحها دون غطاء السياسيين. إنّ الأصوات الصادقة والمستقلّة كثيرة في طرابلس. جلّ ما تحتاج إليه هو المبادرة الى الالتقاء على كلمة سواء في خدمة المدينة.

لذلك، أوجّه هذه الدعوة الى كلّ من يهمّه الأمر، ويؤمن بأنّه لا بدّ للصدق والأمانة والاستقلالية أن تنتصر على التبعية، الى البدء بمشروع تهيئة أسماء لطرحها على المجتمع الطرابلسي من أجل انتخابها في الانتخابات البلدية القادمة.

فمدينتنا لا تخلو من المراكز الثقافية المحايدة، والتي يمكن أن تكون مكانًا لبدء الحوار والاتفاق على خطّة عمل، بعيدة عن أية ارتهان سياسي أو حزبي أو مذهبي أو طائفي.

الكلمة الموحّدة هي التي تستطيع مواجهة السطوة السياسية على قرار المدينة. ولن نتوحّد إلا إذا تعالينا عن أطماعنا ووضعنا إنماء مدينتنا وإنتشالها من وضعها المهترئ والمخزي نصب أعيننا.

آن لنا أن نأخذ زمام المبادرة وأن نسعى بقدراتنا وطاقاتنا ورجالنا ونسائنا وشبابنا وشاباتنا، وكل القوى الواعية المثقّفة والمستقلّة والحرّة، الى استعادة قرار المدينة المسلوب وأن نرفع الصوت عاليًا بوجه التهميش والإهمال.

والانتخابات القادمة هي فرصتنا الأولى… فلنستغلّها بحكمة !

الجمهورية “الديكتاتورية” اللبنانية !

“لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”. هذا ما تنصّ عليه الفقرة “ج” من مقدّمة الدستور اللبناني التي أُضيفت بعد توقيع اتفاق الطائف. ومنذ ذلك الحين، أي منذ العام 1990، اجتهدت “السلطة السياسية” في لبنان في ممارسة كلّ فعل يناقض مقدمة الدستور، لا بلّ يناقض مبادئ الدستور كلّها !

كم هو مثالي أن تهدف السلطة السياسية الى تأمين العدالة الاجتماعية وحفظ حقوق مواطنيها، وتوظيف كلّ قدراتها ومواردها وثرواتها في سبيل بناء دولة القانون والمؤسسات، المتطورة، الآمنة، العادلة والقادرة على حماية المواطنين من أيّ اعتداء. فالفرق واضح وشاسع بين هذا النوع من “السلطات السياسية”، وبين سلطة سياسية “تفترس” مؤسسات الدولة، تستحوذ على مقدّارتها وتنهب مداخيلها وثرواتها لحساباتها ومصالحها الشخصية، وعلى حساب مصالح وحقوق المواطنين، وتحكم بسلطوية ميليشيوية وفئوية وتقمع كلّ الحريات. تماماً “كالسلطة السياسية الفاسدة” في لبنان.

فقد أخضعت هذه “السلطة” مؤسسات الدولة وجعتلها أدوات بيدها. فحوّلتها من أجهزة موضوعة لخدمة المواطن والمجتمع الى أجهزة تُعنى بوظيفة وحيدة، هي تثبيت “سطوتها” وتمكينها من قهر المواطنين وإخضاعهم. وغالباً ما تقوم بذلك بمساعدة الأجهزة الأمنية التي يتمّ رهن عملها ووظيفتها بقرار من “السلطة” ذاتها.

ولقد زاوجت “السلطة السياسية” في لبنان، على مدى سنوات طويلة، بين أمرين اثنين: الأول هو نهب موارد وثروة الدولة. والثاني هو التخلّي عن واجباتها الوطنية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية. وثابرت على اعتماد السياسات القهرية بحقّ المواطن بشكل عام، والفئات الفقيرة بشكل خاص. وبرعت هذه السلطة في “تقزيم” كلّ قوّة أو معارضة، سياسية كانت أم مدنية، وتجفيف منابعها وعرقلة كلّ حركة اجتماعية يكون سببها تزايد معدلات الفقر أو التهميش لفئات المجتمع أو الاحتكار السياسي وقمع كلّ الأصوات التي تخالف توجهاتها وتفضح فسادها وتطالب برحيلها. فالسُعداء في لبنان اليوم، هم الذين يبيعون كرامتهم وولاءهم وضميرهم لقاء المناصب ومال السلطة والذين عملت “السلطة السياسية” على “تربيتهم”.

وقد أثمر كلّ ذلك “مواتاً سياسياً”، نتيجة القهر والشعور باليأس والخيبة لدى المواطنين. والقهر هو أحد الأسباب الرئيسية الذي أدّى الى بروز، وانتعاش، الحركات المتطرّفة التي سرعان ما تحوّلت الى حركات أصولية اتخذت من الدين عماداً لها.

لبنان ليس جمهورية “ديمقراطية برلمانية” يتوازى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات. بل هو جمهورية “طائفية”، تقوم على: “المحاصصة” في عمل مؤسسات الدولة، بحيث تتقاسم “السلطة السياسية” ثروة الدولة ومداخيلها. وعلى “التمييز” بين المواطنين بحيث يصنّفون بحسب انتمائهم الطائفي أو المذهبي أو حتّى السياسي. وعلى “الميثاقية” المزورة التي تعطّل عمل المؤسسات الأساسية في الدولة وتمنع المشاركة الحقيقية للمواطنين في عملية تداول السلطة والمحاسبة والمساءلة.

أما حان الوقت بعد كي نستفيق من سبات تخاذلنا ورضوخنا، والشروع باستعادة حقوقنا ودولتنا؟ فنحن المسؤولون عن تمادي السلطة بطغيانها !

“أفلا تعقلون”…

في خضمّ اللهيب الطائفي، لا بل المذهبي، الممتدّ على طوال البلاد العربية والإسلامية، والمرشّح للتوسّع وسط ما نشهده من ممارسات قاصرةٍ للدول أصحاب القرار، يتبادر الى ذهن العاقل بأنّ التصرّف الأنسب هو النأي بالنفس عن كلّ السجالات التي من شأنها أن تزيد من الإنقسام والشرذمة وتنشر الحقد في نفوس المواطنين.

إلا أنّ هذا، لم يكن خيار الأزهر، “الشريف”، الذي كنّا نأمل أن يكون أقرب الى التعقّل والانفتاح والتسامح في وقتٍ يحتكم فيها “ولاةٌ أمرنا” الى التطرّف والعناد اللذين يخلقان جهلاً وتقوقعاً وكراهيةً لدى “الرعيّة”. فلم يطِبْ للأزهر “الشريف”، في عزّ هذا التحارب الطائفي، إلا أن ينكأ جراحاً لم تضمد بعد. تلك الجراح التي ورثناها بسبب قلّة تبصّر “الحاكم” أو “السلطان” أو “القائد” وانصياعه لشهوة الحكم والسلطة والقوّة.

فآخر “إبداعات” هذا المجمع، أنّ القيّمين عليه طلبوا من الأساتذة لديه والباحثين أن ينكبّوا على “تفنيد” نظرية “ولاية الفقيه” المعتمدة في إيران. وكان قبل ذلك بأشهر، قد أجرى مسابقة للطلّاب لديه، بجوائز مالية كبيرة، موضوعها “نشر التشيّع في المجتمع السنّي ومخاطره”. وقبل أن يثور الغيارى، “السُنّة، على مذهبهم، أودّ أن أشير الى أنّ جدّي (رحمه الله)، كان عضواً دائماً في مجمع البحوث في الأزهر، ولم أقرأ في أيّ من الدراسات والأبحاث التي كانوا يجرون، أيّ مادّة تبحث ما يُبحث في أيّامنا هذه.

لقد سقط الأزهر في “دهاليز” الفكر الديني الضيّق. وألزم نفسه ببحث أمورٍ تفتح الباب على جدل سفسطائي كبير، بدل أن يترفّع عنها وأن يكون صرحاً وعنواناً برّاقاً للإسلام ولرحمته وسماحته وعالميته. كان من الأجدر بهذا المركز أن يهتّم في سبّل أو مناهج تطوير الدين وتفسيره بما يتناسب مع حياة الناس ويعكس غاياته ومقاصده الحقيقية التي شوّهها كثيرون ممّن تلبّسوا، زوراً، عباءة “المشخية” وأفتوا بما يجهلون.

لا يحتاج الإسلام الى تفريقٍ بين مذاهبه بل يحتاج الى تعقّل وانفتاح وعلم. يحتاج الى عقول مستنيرة، تعتمد القرآن كمصدر أوّل ورئيس، في التشريع والتفسير وتسهيل أمور العباد وإرشادهم الى سبل الحقّ والعدالة والمساواة التي ينادي بها ديننا.

لا نحتاج كمسلمين الى مجمعٍ يزيد من انقسامنا وتشرذمنا. بل نريد “قدوةً” عاقلةً، تتعالى عن السجالات التي لا نفع فيها، وتخوض في تثقيف وتربية المسلمين وفقاً لمبادئ وأخلاق القرآن. فنحن أبعد ما نكون اليوم عن هذا الدين. نهرع الى المعاصي لإثبات “انفتاحنا”، ونغالي في اتباعنا الزعماء الفاسدين والفتاوى الخاطئة والتقاليد الموروثة لإثبات “سنُّيتنا” ! فأيّ تناقضٍ هذا؟!

كان من الأجدى للأزهر “الشريف”، أن يعالج القصور في حياة المسلمين، التي تبدأ من تعاملهم مع أنفسهم ثمّ مع أهلهم وأقربائهم وجيرانهم والغرباء ودولتهم وحكّامهم. لعلّ شبابنا يُقبل على فهم الدين من زاوية العقل عوضاً عن النفور منه نتيجة الترهيب والتخويف والتهويل الممارس من خطباء المساجد.

الإسلام هو دين العقل أولاً وآخراً. وهو يدعو الى فهمه والإيمان به بواسطة العقل وليس بواسطة الممارسة الآلية للعبادات. حبّذا لو أحصينا عدد الآيات في القرآن التي خاطب الله بها عقولنا !

“أفلا تعقلون”؟!

العدالة تستوجب استقلالية القضاء

منذُ أيّامٍ، مثُلت أميرةٌ إسبانية، وهي شقيقةُ ملكِ البلاد، أمامَ القضاء. فهي متّهمةٌ بالاشتراكِ بجرم التهرّبِ من الضريبةِ فيما يواجه زوجُها اتهاماتٍ أكبر منها اختلاسُ الأموالِ العامّة. لم تتدخّل “الواسطة” لإخراجِ المتهمةِ وزوجِها من المحاكمةِ كونها من السلالةِ الملكية. لا بلْ تُركَ أمرُ تحديدِ براءتِها في يدِ القضاء. والأدلّةُ هي الحَكَم. ولقد حدثَ ذلكَ دونَ أيّةِ جلبةٍ أو اعتراضاتٍ شعبيةٍ أو تظاهراتٍ مندّدةٍ.

واسبانيا ليست الأولى ولا الأخيرة. فتُهم الفسادِ واستغلالِ النفوذ والتهرّب من الضرائب وسرقة المال العام لاحقت العديدَ منَ الحكّامِ والمسؤولين حول العالم. من الرئيس الأندونيسي الأسبق سوهارتو، الى يوليا تيموشينكو رئيسة وزراء أوكرانيا السابقة، الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. بالإضافة الى العديد من الضباط والرؤساء الذين حوكموا بتهمِ الإضطهاد والقتل والإبادة. كلّ هذه المحاكمات، تثبت بأنّ القضاء، إذا ما تحلّى باستقلاليةٍ وحياديةٍ بالحدّ الأدنى، لا بدّ أن ينالَ المذنبُ عِقابَه. وأغلب البلدان المذكورة، هي من الدول التي تفتخرُ باستقلالية القضاءِ فيها وحمايتها للعدالة بين حميع المواطنين ومساواتِهم تحت سقفِ القانون.

يشكّلُ القضاءُ عماداً أساسيّاً لثباتِ المجتمعاتِ واستقرارِها. وهو يساعدُ، باستقلاليتِهِ ونزاهتِهِ، أن يجعلَ ثقةَ المواطنِ بالقانونِ والعدالةِ والدولةِ أكبر. فرسالتُهُ هي أنّ “المرتكبَ”، مواطناً كانَ أم وزيراً أم رئيساً، لا بدّ أن ينالَ جزاءًا على مخالفتِهِ القوانين. وأنّ حصانتَه، خارجَ إطارِ وظيفتِهِ، هي ساقطةٌ.  بذلكَ، يؤمنُ المواطنُ بإلزاميةِ القانونِ وبوجوبِ إتباعِ القواعدَ المنصوصِ عليها وبأنّه ما من أحدٍ يستطيعُ التهرّبَ من سلطةِ القانون.

فلا قيمةَ للقانونِ إذا لم يكن القضاء عادلاً، نزيهاً ومستقلّاً. فحينَ تتدخّلُ الأحزابُ السياسيةُ في عملِ القضاءِ، يُصبِحُ مفهومُ العدالةِ خاضعاً لأهواءِ ورغباتِ السياسيين ومرهونٌ بتأمينِ مصالحِهم ومصالح أزلامِهم. ولذلكَ مخاطرَهُ الكُبرى، التي تجعلُ القضاءَ عُرضةً لانتقادات “العامّةِ” ودخولِه في “بازارِ” الخطاباتِ والتنديداتِ السياسيةِ. فينقسمُ الرأيّ العام بينَ “موّيدٍ” و”معارضٍ”. هذا يعني أن يصبحَ القضاءُ، في أذهانِ النّاسِ، “متحيّزاً” وغير حياديّ. أيّ أنّ يفقدوا ثقَتهُم بِه.

وخير دليلٍ على ذلك، هو ما جرى مؤخراً في لبنان من تنديدٍ بالقضاءِ حتّى ولو طبّقَ القانونَ بحاذفيرِه. فعقولُ النّاسِ مغلقةٌ ومغلّفةٌ بالحقدِ الطائفيّ والمذهبيّ، المشحون يومياً في الإعلامِ. فلم تعُد العدالةُ تعني إلا ما تهواهُ الغرائز لا ما توقِنُهُ العقولُ الواعيةُ والموضوعيةُ.

رهنَ سياسيو لبنان كلَّ شيءٍ خدمةً لمصالِحهم. وها هم يمدّون هيمنَتَهم على القضاءِ، آخرُ أملٍ لنا وآخرُ ما تبّقى من “معالم” العدالةِ والقانونِ في هذا الوطن !!

“الثقة” تحمي النظام !

يُجمع الباحثون على أنّ ثقة المواطن بدولته هو عنصر أساسي لاستمرار النظام السياسي. ويستند هؤلاء الى مؤشرات مختلفة لقياس درجة هذه الثقة. أهمّها: أولاً، الاستقرار السياسي. ويُنظر بذلك الى نمط انتقال السلطة، شرعية النظام وقوته وقدرته على حماية المواطنين والى تداول السلطة. ثانياً، مدى مشاركة المواطنين في العملية السياسية. ويُقصد هنا المشاركة في الاستحقاقات أو الانتخابات، سواءً نيابية أو بلدية أو غيرها. وثالثاً، شفافية السلطة في التعامل مع المواطنين ودرجة المساءلة الفعلية.

فأين تقع الدولة اللبنانية بالنسبة الى المؤشرات الثلاث؟

فيما يتعلّق بالاستقرار السياسي وتداول السلطة، لبنان يستند الى النظام البرلماني الديمقراطي القائم على حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية. ولكن هذا حبر على ورق. في الواقع، لبنان دولة قائمة على المحاصصة الطائفية، لا بل المذهبية، وتتداول السلطة عن طريق التوريث السياسي أو المال.

أمّا بالنسبة الى مشاركة المواطنين في العملية السياسية، فلقد بات واضحاً مدى التململ والقرف واليأس على صعيد النخبة الكبيرة من الشعب، والتي تعبّر عن ذلك برفضها المشاركة في الاستحقاقات والانتخابات ليقينها بأنّ المال المدفوع لشراء الذمم يتحكّم بالجمهور الفقير، مضافاً إليه الشحن الطائفي الذي يسيطر على عقول الناس ويدفعها الى “الانتقام” من مذاهب أو طوائف أخرى عبر التصويت لممثلين فاسدين.

وأخيراً، الشفافية والمساءلة. وهنا لبّ المشكلة. لم تتصرّف الحكومات المتعاقبة على الحكم في لبنان، أقلّه بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف، بشفافية مطلقة مع الشعب. لا بل عمدت الى العكس. إلا أنّ ذلك لم يكن ممكناً، أو لم يكن ليتمادى، لو أنّ الشعب قام بالمساءلة الحقيقية من خلال عدم تجديد الوكالة للممثليه الفاسدين.

إذاً لبنان، بناءً للمؤشرات المذكورة، هو “فاشل” سياسياً !

كيف للمواطن أن يثقّ بدولته فيما تكون كلّ ممارستها للسلطة تأتي خلاف حقوقه ومصالحه؟ وكيف للمواطن أن يُحبّ دولته وأن يسعى الى تطويرها والامتثال الى قوانينها وأنظمتها إذا لم يكن يثق بها وبقدرتها، هي، على حمايته وتأمين احتياجاته وصون حقوقه؟ وكيف للمواطن أن يثق بهذ الدولة اللبنانية بالمطلق وهي ما فتأت تعطيه دليلاً تلو الآخر عن عجزها وضعفها وفسادها وسطوتها وفجورها وظلمها ؟

ربما آن لهذه السلطة أن لا تتخفّى خلف إصبعها بعد الآن. وأن تواجه الحقيقة، وإن كانت صادمة، بأنّها لا تتمتّع بثقة مواطنيها. وبأنّ النتيجة، الحتمية، لمسارها الحالي في ممارسة السلطة وطريقة تعاملها مع المواطنين هي سقوط النظام السياسي في لبنان.

“يا مُنى اللاجئين” في ألمانيا !

لا بدّ أن تكون أنجيلا ميركل هي “إمرأة العام”. فقد أوردت وكالات الأنباء العالمية عن قرار اتخذته الدولة الألمانية بتوظيف ثمانية آلف وخمسمئة مدرس جديد لتعليمِ اللغةِ الألمانية لأطفالِ اللاجئين، بالإضافة الى تجهيزُ نحو عشرةِ آلاف فصل خاص لهذا الغرض. وذكر الخبر بأنّ التحدّي الكبير الذي ينتظر المعلمين الجدد، لا يتمثل فقط في تعليم لغة جديدة لطلاب أجانب، إنما في تعويض السنوات التي أضاعها الأطفال في ظل الحرب وتبعاتها. 

العلم ! هذا ما تقدّمه ألمانيا لأطفال اللاجئين علاوةً على المقومات الأساسية، البديهية، اللازمة للعيش من مسكنٍ وأكلٍ ومال. هكذا وبدون أيّ احتجاج أو مطالبة، التزمت الدولة بأنّ تؤمّن سبل العلم باعتباره حقّاً مكتسبًا لكلّ إنسان بصرف النظر عن عرقه ودينه وأصله ولونه. (واستطرادًا، تؤمن ألمانيا العلم في الدور الرسمية بالمجّان. ويرقى برتبته الى مصاف الجامعات الخاصة العالمية)

استوقفني هذا الخبر الذي حاولت جاهدًا أن أجد له مثيلًا في وطني لبنان دون أن أفلح !

لبنان الذي يتغنّى أبناؤه بأنّهم أصحاب علمٍ. إلا أنّهم استقالوا من اكتسابه والسعي إليه وخاصّة إذا تقدّم بهم العمر. لبنان الذي “نفتخر” ببعض جامعاته “الخاصّة”، لا “الرسمية” التي أصبحت نموذجًا مصغّرًا عن الفساد والاهتراء والتقوقع والجهل المستشري في مجتمعنا. وباتت مكان تجمّع الأساتذة الفاسدين وغير المؤهلين، خائني أمانة التعليم، والذين يحللون لأنفسهم أن “يتكسّبوا” من أموال الجامعة دون أنّ يقدّموا الحدّ الأدنى من المقرارات المطلوبة، وهذا أضعف الإيمان. ناهيك عن المعلومات المغلوطة ومناهج التدريس القائمة على اعتبار الطلّاب “ببغاوات” تردد ما كُتب بدلًا من تنشيط العقل والمنطق وتنمية منهج التفكير والتحليل والاستنباط.

لا شكّ بأنّ الدولة اللبنانية مجبرةٌ على تأمين التعليم والاعتناء به. وإذا كنّا نعلم يقينًا بأنّ الفساد ينخرها من رأسها حتّى “أخمص قدميها”، وبأنّ التعليم هو في أدنى سلّم أولوياتها التي تتمثّل بالسرقة والبهورة، إلا أنّ ذلك يجب ألا يمنع الناس من تحصيل العلم ومن المساعدة على تأمينه للغير.

فهل يمكن أن نتخيّل، أيّ نوعٍ من المجتمعات كنّا سنكون، لو أنّنا أَولَينا العلم واللغة والقراءة نصف الاهتمام الذي نوليه لمظهرهنا وجاهنا ومناصبنا وزعمائنا وسياراتنا وملابسنا وتفاخرنا وتشاوفنا، بدل أن نتساءل عن سبب تراجع قيمنا وحضارتنا وأخلاقنا وفكرنا وحتّى لغتنا؟

المجتمع هو المرآة العاكسة لصورتنا الحقيقية وما نزرعه من تربية في الأجيال القادمة. فلو أننا زرعنا، بمثابرةٍ وثبات، العلم في أنفسنا وأولادنا وطلّابنا، لما نتج لنا مجتمع تملؤه الكراهية والحقد ويأرجحه التعصّب الأعمى يمينًا أو شمالاً، ولما كنّا نتزلّف على أبواب الحكّام والزعماء نستجدي حقّاً هو من بديهيات الأمور!

نعم العلم !

العلم هو السبيل لارتقاء الأمم والمجتمعات. وما حال مجتعمنا اللبناني الحالي إلا الدليل على مدى تراجع العلم فيه.

هنيئًا للاجئين في ألمانيا، و”هنيئًا” لنا بجهلنا وحكّامنا الفاسدين.

ألغوا “امتحان الدخول”… نهائياً !

بُعَيد تخرجّي في العام 2007 من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في طرابلس، أصدر مجلس نقابة المحامين في طرابلس، للمرّة الأولى، قراراً يقضي بقبول طلب انتساب أبناء المحامين الى النقابة دون الحاجة لتقديمهم “امتحان الدخول” على غرار الآخرين. جلّ ما كان مطلوباً  هو إجراء “مقابلة” مع هيئة فاحصة قبل قبول طلب الانتساب الى النقابة كمحامٍ متدرّج.

لذلك،  بداية العام 2008، مثلتُ أمام هذه الهيئة الفاحصة. وأذكر أن وجّه لي أحد أعضائها سؤالاً حول قرار النقابة الصادر حديثاً، لمعرفة رأيي به. فأجبته، بكلّ صراحة، بأنّ هذا القرار “غير عادل”. فصُدم أعضاء الهيئة من جوابي، خصوصاً أنني إبن محامٍ، ولا بدّ أن أكون مؤيّداً لقرار كهذا. فشرحت وجهة نظري للهيئة التي أبدت امتعاضاً واضحاً من كلامي.

قلت بأنني أجد فكرة إجراء “امتحان دخول” لخريجين حديثين هو إجراء غير منصف لهم. ذلك أن “الناجح” في جامعته والمتخرّج منها، لا يحتاج الى امتحان “كفاءة” جديد في هذا الوقت القصير. وقلتُ بأنّ هناك سببين يجعلان النقابة تستمرّ بهذا المنهج: السبب الأول، هو الاعتقاد السائد لدى الغالبية الكبرى من المحامين المزاولين بأنّه أصبح من الضروري تقليص أو تحديد عدد المحامين “في السوق” حتى لا تزداد المنافسة على “الرزق”. وهذا اعتقاد خاطئ وغير عقلاني. فلا بدّ للمحامي أن يمرّ بمرحلة التدرّج ومن ثمّ بامتحان الترفّع على الجدول العام حتّى يستطيع امتلاك مكتبه الخاص. والسبب الثاني، هو سياسي. فالنجاح “بامتحان الدخول” الى النقابة مبني على “الانتماء” السياسي للطالب. فتأتي الأسماء الناجحة في “سلّة” متكاملة منصفة لجميع الأطراف السياسية المهيمنة على قرار النقابة. وفي هذا ظلم كبير  لكلّ طالبٍ ليس له انتماء سياسي أو زعيم يعود إليه للتوسّط له. وبذلك، يكون النقيب والأعضاء أصحاب “فضلٍ” على من ضمنوا لهم نجاحهم، ليردّوا “الجميل” في انتخابات نقابية لاحقة.

فقاطعني أحد الأعضاء شارحاً بأنّ هذا القرار يساعد على ضمان استمرارية “المؤسسة” التي يمثّلها مكتب المحامي. فسألته عمّن يضمن أن يكون الإبن بكفاءة أبيه، المهنية والأخلاقية والعلمية، حتّى يستطيع الاستمرار بهذه المؤسسة وأن يحمل لواء هذه المهنة السامية ومبادئها التي تحمي الحقّ وتدافع عن المظلوم؟ ثمّ، وبصرف النظر عن “المؤسسة”، بناءً على أيّ حقّ أو مبدأ أو مفهوم، نرهن المستقبل المهني للعديد من طالبي الانتساب بقرارنا الذاتي؟ فلا يمكن لأي طالب تخرّج من كليّة الحقوق أن يزاول هذه المهنة طالما أنّه غير منتسب الى نقابتها. وهناك العديد من الطلّاب الكفؤ، الذين يحملون شهادات عليا في الحقوق ويملكون مقومات تساعدهم على ممارسة المهنة وبناء مستقبلهم فيها، لكنّ ذنبهم الوحيد أنّهم “عزيزي النفس” لن يرضوا بأن يرهنوا مستقبلهم بمنّة زعيم أو نائب أو مسؤول أو نقيب، كائناً من كان !

فهل لنا أن نأمل بأن تتّخذ النقابة قراراً جريئاً بإلغاء امتحان الدخول نهائياً؟

حين يُصبح الفساد “مقبولاً”…

لا بُدّ للباحثين الاجتماعيين من أن ينكبّوا على دراسة المجتمع اللبناني وحالاته المختلفة، الناتجة عن أزمات أو أحداث متعدّدة، خصوصاً تلك التي تُظهر التناقض الكبير والفاضح السائد في هذا البلد. فعلى سبيل المثال، استمرار تراكم النفايات في شوارعنا يُضفي على المدن طابع “النكبة”، فيما يستمرّ اللبناني بعيش حياته وممارسة أعماله وهواياته ورفاهيته، يومياً، بشكلٍ طبيعي.

لعلّ الباحثين يجدون تفسيراً، علمياً ونفسياً، يساعدنا أن نفهم كيف يستطيع شخص ما أن يتفاعل مع الأزمات الحاصلة في وطنه بهذا القدر المخيف من اللامبالاة، وكأنه غير معني بما يجري من حوله. فهو، إن لم يقتنع بأنّ جزءاً من المسؤولية يقع على عاتقه، يتصرّف وكأنّ “الآخر” (مجهول الهوية دائماً) هو المسؤول. ولعلّ الباحثين يجدون أيضاً بأنّ الشعب اللبناني استطاع أن يتعايش مع كلّ أزمة مهما كبُرت أو صغُرت ومهما كان ضررها مباشراً أو غير مباشر عليه.

فلهذا الشعب قدرة على “التأقلم” مع الأزمات والحالات الشاذّة، المتكررة مؤخراً، التي تصيب الوطن. وهذا ليس بمديح له بل هو عكس ذلك تماماً. وقد “استحصل” على هذه القدرة، برأيي الشخصي، من عوامل ثلاث هي:

العامل الأول هو “اتفاق الطائف”. هذه “التسوية” التي يستمدّ منها الكيان اللبناني، الحالي، شرعيته. هذه “الهدنة”، المؤقتة، التي حصلت إبّان الحرب الأهلية اللبنانية بين أبرز مكونات الكيان – بموافقة ودعم من الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة – تأسّست على مبدأ “المقايضة”. فبموجب هذا المبدأ، تقاسمت رؤوس الطوائف، التي تقاتلت على مدى ١٥ سنة، “الثروة” الداخلية”. أيّ، بمعنى آخر، توافقت على تنظيم النهب والفساد فيما بينها متجاهلة كل الأسباب السياسية والقانونية الضرورية للسير “بالشعب” نحو بناء دولة القانون والمؤسسات العادلة.

أمّا العامل الثاني فهو “استقالة” السلطة السياسية من إدارة الشأن العام. وهذا ينطبق على كافة المجالات من تعليم وطبابة وصحّة وتوظيف ورواتب وبنى تحتية، المتروكة والمهدورة مواردها ومخصصاتها منذ زمن بعيد. هذه “الاستقالة” تشكّل تعدّياً فاضحاً وصارخاً على كرامة الإنسان. فغاب مفهوم “الدولة” عن الأذهان حين تخلّت “السلطة” عن أداء واجبها الطبيعي وأفسحت المجال أمام السمسرات والصفقات والطائفية بأن تتحكّم بمصير وحياة الشعب. وبذلك، نَما مفهوم “الزبائنية” لدى الزعيم وتراجع مفهوم “المواطنة” لدى الدولة والمواطن على السواء.

أمّا العامل الثالث فهو انعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف المناطق في لبنان. فلقد اعتمدت “السلطة” في سياساتها الداخلية على مبدأ المركزية، بإنعاش بيروت وإهمال كافة المناطق الأخرى، الكبرى والصغرى، وحرمانها من كافة الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي تمتّعت بها العاصمة (من مرفأ ومطار ومسارح وأوساط تجارية). هذا ما خلق شعوراً لدى غالبية اللبنانيين بالظلم والغبن، دفع بهم الى سلوك طريق الفساد لتسيير أمورهم.

“روّضت”، هذه العوامل الثلاث الأساسية الممارسة، على مدى سنواتٍ طويلةٍ من الزمن، الشعب، وجعلته “يألف” المظاهر الشاذّة و”يتقبّل” فكرة الفساد المالي والسياسي والاجتماعي وحتّى القضائي! وبدلاً من أن يدفع المواطن بالفساد بعيداً عنه، ساهم في نمّوه وفي نشر “ثقافته” التي تنخر، منذ زمن، كلّ أساسات الكيان اللبناني…

فها هو يوشك على السقوط !