ألغوا “امتحان الدخول”… نهائياً !

بُعَيد تخرجّي في العام 2007 من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في طرابلس، أصدر مجلس نقابة المحامين في طرابلس، للمرّة الأولى، قراراً يقضي بقبول طلب انتساب أبناء المحامين الى النقابة دون الحاجة لتقديمهم “امتحان الدخول” على غرار الآخرين. جلّ ما كان مطلوباً  هو إجراء “مقابلة” مع هيئة فاحصة قبل قبول طلب الانتساب الى النقابة كمحامٍ متدرّج.

لذلك،  بداية العام 2008، مثلتُ أمام هذه الهيئة الفاحصة. وأذكر أن وجّه لي أحد أعضائها سؤالاً حول قرار النقابة الصادر حديثاً، لمعرفة رأيي به. فأجبته، بكلّ صراحة، بأنّ هذا القرار “غير عادل”. فصُدم أعضاء الهيئة من جوابي، خصوصاً أنني إبن محامٍ، ولا بدّ أن أكون مؤيّداً لقرار كهذا. فشرحت وجهة نظري للهيئة التي أبدت امتعاضاً واضحاً من كلامي.

قلت بأنني أجد فكرة إجراء “امتحان دخول” لخريجين حديثين هو إجراء غير منصف لهم. ذلك أن “الناجح” في جامعته والمتخرّج منها، لا يحتاج الى امتحان “كفاءة” جديد في هذا الوقت القصير. وقلتُ بأنّ هناك سببين يجعلان النقابة تستمرّ بهذا المنهج: السبب الأول، هو الاعتقاد السائد لدى الغالبية الكبرى من المحامين المزاولين بأنّه أصبح من الضروري تقليص أو تحديد عدد المحامين “في السوق” حتى لا تزداد المنافسة على “الرزق”. وهذا اعتقاد خاطئ وغير عقلاني. فلا بدّ للمحامي أن يمرّ بمرحلة التدرّج ومن ثمّ بامتحان الترفّع على الجدول العام حتّى يستطيع امتلاك مكتبه الخاص. والسبب الثاني، هو سياسي. فالنجاح “بامتحان الدخول” الى النقابة مبني على “الانتماء” السياسي للطالب. فتأتي الأسماء الناجحة في “سلّة” متكاملة منصفة لجميع الأطراف السياسية المهيمنة على قرار النقابة. وفي هذا ظلم كبير  لكلّ طالبٍ ليس له انتماء سياسي أو زعيم يعود إليه للتوسّط له. وبذلك، يكون النقيب والأعضاء أصحاب “فضلٍ” على من ضمنوا لهم نجاحهم، ليردّوا “الجميل” في انتخابات نقابية لاحقة.

فقاطعني أحد الأعضاء شارحاً بأنّ هذا القرار يساعد على ضمان استمرارية “المؤسسة” التي يمثّلها مكتب المحامي. فسألته عمّن يضمن أن يكون الإبن بكفاءة أبيه، المهنية والأخلاقية والعلمية، حتّى يستطيع الاستمرار بهذه المؤسسة وأن يحمل لواء هذه المهنة السامية ومبادئها التي تحمي الحقّ وتدافع عن المظلوم؟ ثمّ، وبصرف النظر عن “المؤسسة”، بناءً على أيّ حقّ أو مبدأ أو مفهوم، نرهن المستقبل المهني للعديد من طالبي الانتساب بقرارنا الذاتي؟ فلا يمكن لأي طالب تخرّج من كليّة الحقوق أن يزاول هذه المهنة طالما أنّه غير منتسب الى نقابتها. وهناك العديد من الطلّاب الكفؤ، الذين يحملون شهادات عليا في الحقوق ويملكون مقومات تساعدهم على ممارسة المهنة وبناء مستقبلهم فيها، لكنّ ذنبهم الوحيد أنّهم “عزيزي النفس” لن يرضوا بأن يرهنوا مستقبلهم بمنّة زعيم أو نائب أو مسؤول أو نقيب، كائناً من كان !

فهل لنا أن نأمل بأن تتّخذ النقابة قراراً جريئاً بإلغاء امتحان الدخول نهائياً؟

حين يُصبح الفساد “مقبولاً”…

لا بُدّ للباحثين الاجتماعيين من أن ينكبّوا على دراسة المجتمع اللبناني وحالاته المختلفة، الناتجة عن أزمات أو أحداث متعدّدة، خصوصاً تلك التي تُظهر التناقض الكبير والفاضح السائد في هذا البلد. فعلى سبيل المثال، استمرار تراكم النفايات في شوارعنا يُضفي على المدن طابع “النكبة”، فيما يستمرّ اللبناني بعيش حياته وممارسة أعماله وهواياته ورفاهيته، يومياً، بشكلٍ طبيعي.

لعلّ الباحثين يجدون تفسيراً، علمياً ونفسياً، يساعدنا أن نفهم كيف يستطيع شخص ما أن يتفاعل مع الأزمات الحاصلة في وطنه بهذا القدر المخيف من اللامبالاة، وكأنه غير معني بما يجري من حوله. فهو، إن لم يقتنع بأنّ جزءاً من المسؤولية يقع على عاتقه، يتصرّف وكأنّ “الآخر” (مجهول الهوية دائماً) هو المسؤول. ولعلّ الباحثين يجدون أيضاً بأنّ الشعب اللبناني استطاع أن يتعايش مع كلّ أزمة مهما كبُرت أو صغُرت ومهما كان ضررها مباشراً أو غير مباشر عليه.

فلهذا الشعب قدرة على “التأقلم” مع الأزمات والحالات الشاذّة، المتكررة مؤخراً، التي تصيب الوطن. وهذا ليس بمديح له بل هو عكس ذلك تماماً. وقد “استحصل” على هذه القدرة، برأيي الشخصي، من عوامل ثلاث هي:

العامل الأول هو “اتفاق الطائف”. هذه “التسوية” التي يستمدّ منها الكيان اللبناني، الحالي، شرعيته. هذه “الهدنة”، المؤقتة، التي حصلت إبّان الحرب الأهلية اللبنانية بين أبرز مكونات الكيان – بموافقة ودعم من الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة – تأسّست على مبدأ “المقايضة”. فبموجب هذا المبدأ، تقاسمت رؤوس الطوائف، التي تقاتلت على مدى ١٥ سنة، “الثروة” الداخلية”. أيّ، بمعنى آخر، توافقت على تنظيم النهب والفساد فيما بينها متجاهلة كل الأسباب السياسية والقانونية الضرورية للسير “بالشعب” نحو بناء دولة القانون والمؤسسات العادلة.

أمّا العامل الثاني فهو “استقالة” السلطة السياسية من إدارة الشأن العام. وهذا ينطبق على كافة المجالات من تعليم وطبابة وصحّة وتوظيف ورواتب وبنى تحتية، المتروكة والمهدورة مواردها ومخصصاتها منذ زمن بعيد. هذه “الاستقالة” تشكّل تعدّياً فاضحاً وصارخاً على كرامة الإنسان. فغاب مفهوم “الدولة” عن الأذهان حين تخلّت “السلطة” عن أداء واجبها الطبيعي وأفسحت المجال أمام السمسرات والصفقات والطائفية بأن تتحكّم بمصير وحياة الشعب. وبذلك، نَما مفهوم “الزبائنية” لدى الزعيم وتراجع مفهوم “المواطنة” لدى الدولة والمواطن على السواء.

أمّا العامل الثالث فهو انعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف المناطق في لبنان. فلقد اعتمدت “السلطة” في سياساتها الداخلية على مبدأ المركزية، بإنعاش بيروت وإهمال كافة المناطق الأخرى، الكبرى والصغرى، وحرمانها من كافة الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي تمتّعت بها العاصمة (من مرفأ ومطار ومسارح وأوساط تجارية). هذا ما خلق شعوراً لدى غالبية اللبنانيين بالظلم والغبن، دفع بهم الى سلوك طريق الفساد لتسيير أمورهم.

“روّضت”، هذه العوامل الثلاث الأساسية الممارسة، على مدى سنواتٍ طويلةٍ من الزمن، الشعب، وجعلته “يألف” المظاهر الشاذّة و”يتقبّل” فكرة الفساد المالي والسياسي والاجتماعي وحتّى القضائي! وبدلاً من أن يدفع المواطن بالفساد بعيداً عنه، ساهم في نمّوه وفي نشر “ثقافته” التي تنخر، منذ زمن، كلّ أساسات الكيان اللبناني…

فها هو يوشك على السقوط !

لا وطن بلا كرامة !

غالباً ما تحتوي الصحف اللبنانية على فقرة، صغيرةٍ، تهدف الى إلقاء الضوء على قضايا معيّنة عبر نقلها “لهمسات” أو “أسرار”” بتجرّد. ومن خلال متابعتي لهذه “الهمسات” أو “الأسرار”، قرأت “السرّ” التالي في صحيفة السفير. مفاده: “تسعى شخصيات سياسية وإعلامية للتقرّب من فريق العمل الجديد الذي يدير أوضاع دولة خليجية كبرى بهدف الحصول على مساعدات مالية”. ولفتني بأنّ هذه هي الثقافة السائدة في الأوساط السياسية في لبنان. ثقافة المال وشراء ذمم الناس وجعلهم من الأتباع.

هذه الثقافة التي مُورست واتُخذت منهجاً لكل طامحٍ ولاهثٍ خلف المناصب، هي التي سمحت بهدم كلّ القيم الإجتماعية التي كان يقوم عليها هذا الوطن. وامتدت بعد ذلك لتشمل الحياة الاجتماعية للناس. فأصبح التفاخر بالأموال والذهب والأملاك هو المعيار لتحديد أهمية الشخص. فلم يعد مهمّاً أن يكون الشخص ذو أخلاقٍ حميدة، أو علمٍ وفير، أو سيرة حسنة. لا بل على العكس، قد تُتّهم في بعض الأوساط أنّ صفة “الآدمي” أصحبت ترادف كلمة “مغفّل”. لقد باع المجتمع كرامته حتّى أصبح الاستثناء قاعدةً وانقلبت القاعدة استثناء.

وربّما هذا هو السبب الحقيقي الذي ما زال يدفع بالكثير من اللبنانيين الى البحث عن لقمة عيشهم خارج حدود هذا الوطن حيث يستطيعون العمل والعيش بكرامة محفوظة. أليس هذا مخجلاً للبنان ولدولته وساسته والقيمين عليه؟

أليس مخجلاً بأن تمرُّ أخبار اللبنانيين الذين يلجأون الى البحر هرباً، من “العدم” الذي يعيشون فيه، لدى الكثيرين مرور الكرام؟ هؤلاء اللذين يلجأون الى الهجرة، الشرعية وغير الشرعية، ويعرّضون حياتهم وحياة أزواجهم وأولادهم للخطر والموت لقاء البحث عن “كرامتهم” التي هُدرت وسُلبت من دولتهم وساستهم وزعمائهم.

نعم، الكرامة أغلى من كلّ شيء؛ حتّى من أرض الوطن.

فأيّ “وطنٍ” هذا الذي يعيش أكثر من نصف سكّانه تحت خطّ الفقر؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يشحذ فيه المواطن لقمة عيشه وطبابته وعلمه ومسكنه؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي تَطمر فيه النفايات طرقاتنا وأحيائنا بدل أن تُطمر؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يحمي المجرم والهارب والمطلوب والسارق؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي يستشهد فيه عناصر جيشه على أبواب البارات كرمى عيون المجرمين؟ ويجوب المطلوبون فيه الطرقات بوقاحةٍ لأن الدولة قاصرة، لا تستطيع تنفيذ مذكرة توقيف بحقّهم؟ وأيّ “وطنٍ” هذا الذي تتوزّع فيه الوزارات على الأحزاب والطوائف؟

لقد جعل منّا هذا “الوطن”، المملوء بالفساد والعفن الطائفي، غرباء حتّى بتنا نحسّ بأننا لا ننتمي إليه. فلقد أمسى حلمنا أن ننتمي الى أرضٍ يُطبّق فيها القانون وتُحفظ فيها كرامات الناس وتعمل الدولة على خدمة الناس وليس العكس.

فلا حاجة لنا لقوانين تساعدنا على استعادة الجنسية، لأنّ لبنان لن يستعيد شعبه الخيّر ولا مثقفيه ولا المتعلمين الناجحين في الدول الغربية، إلا إذا استطاعت دولته أن تعيد الكرامة لشعبه وأن تقدّم نفسها في خدمته.

نعم، الكرامة أغلى من كلّ شيء… حتّى الوطن !

“المارّون بين الكلمات العابرة”

وقاحة بنيامين نتنياهو لا تعرف حدوداً. فهو يتجرّأ حيث لا يتوقعه أحد. وذلك كلّه لتحقيق أهداف دولته الإستيطانية. لذلك، كلّ شيء لديه مباح. وهو يُظهر هذه الوقاحة، يومياً، عبر تجاهله الكامل والعلني للقوانين والشرعات والمؤسسات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان العالمية.

ولكن هذه المرّة راودت عقله المريض، فكرة تغيير التاريخ. فقد “اختلق” حواراً بين هتلر ومفتي فلسطين، في ذلك الوقت، الشيخ أمين الحسيني خلاصته أن الأخير هو من اقترح على هتلر فكرة حرق اليهود. وقال بأنّ هتلر كان ممانعاً لهذه الفكرة إلا أن إصرار المفتي “أقنعه”.

فانقلب السحر على الساحر. وبات يحاول صدّ الهجوم الساخر على أقواله من الداخل الإسرائيلي قبل الخارج. حتّى ألمانيا، التي حاول كسب ودّها قبيل زيارته لها، أصابته بخيبة بعد أن صرّحت أنجيلا ميركل بأنّ المحرقة هي من فعل النازيين بقيادة هتلر. هكذا تناثرت أوهام نتنياهو هباءً.

لكن لا بدّ من التساؤل: ما هو الدافع وراء هذا التخريف؟

لا يمكن أن نتجاهل بأنّ نتنياهو هو إبن المجتمع الإسرائيلي. أي هو من نسيجه وطريقة تفكيره والمبادئ التي تربّى عليها. والمجتمع الإسرائيلي يعيش في “فقاعة” أوهامٍ رسختها سياسيات الحكومات المتعاقبة عبر استخدام الإعلام لخلق رأي عام، مغسول الدماغ، يؤمن بحقائق مزورة ووقائع خاطئة.

وفي مؤتمر أقيم في الولايات المتحدة الأميركية بداية العام الحالي، قال الصحافي في صحيفة هآرتز جدعون ليفي، بأنّ المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة إنكار وبإنقطاع تامّ عن الواقع “الوحشي” حوله. وعدّد مبادئ ثلاث يقوم عليها هذا المجتمع هي:

أولاً، الإيمان “العميق” لدى الغالبية الكبرى من الإسرائيليين بأنهم هم الشعب المختار. وكونهم كذلك، فلهم الحقّ بأن يفعلوا ما يشاؤون.

ثانياً، تظهير إسرائيل على أنها الضحية، لا بل الضحية الوحيدة ! فلم يسجّل في التاريخ أي محتلّ أظهر نفسه بأنه ضحية لما يحصل كما تفعل إسرائيل. ويُردّ ذلك الى المحرقة وعقدتها التي أصابت المجتمع كلّه. ولعل هذا ما دفع بغولدا مائير للقول بأنّه “بعد المحرقة، أصبح لليهود الحق بفعل ما كلّ ما يريدون”.

ثالثاً، وهو المبدأ الأهم والأسوأ في آنٍ معاً، التجريد الممنهج للفلسطينيين من “إنسانيتهم”. أي بجعلهم أدنى مرتبة من اليهود ما يسمح لهم بأن يستعبدوهم ويحتقروهم في ظلّ التجاهل التامّ لكافة القوانين والشرائع الدولية التي تحمي حقوق الإنسان.

ونتنياهو نشأ على هذه المبادئ، سواءً اقتنع بها أم لا. إلا أنّه يعرف بأنها “مزروعة” في نفس كلّ إسرائيلي نتيجة التلقين الممنهج والمستمر لسنوات. لذا، فهو يسعى كمن سبقه الى بناء “وطن اليهود”. وقد وجّه دعوة الى كلّ اليهود في العالم، قبل الآن، للقدوم والعيش في “وطنهم” إسرائيل.

لربّما ظنّ نتنياهو بأنه يستطيع فعلاً تغيير مسار التاريخ. فهو يتخبّط داخلياً في ظلّ انتفاضة السكاكين؛ وبعد وصف معلّقين إسرائيليين لحادثة بئر السبع بأنها فشل ذريع للجيش الإسرائيلي؛ وبعد انحسار الإهتمام الدولي به وبدولته. لذلك، لجأ الى تشويه صورة الفلسطينيين وإلقاء عبء المسؤولية بأهمّ مأساة أصابت اليهود، فيتّخذ من ذلك ذريعة لزيادة القتل والتدمير وقضم الأراضي  وبناء المستوطنات بهدف تهويدها.

ولكن ما لا يدركه نتنياهو، هو أنّ هذه المبادئ التي يقوم عليها المجتمع الإسرائيلي هي التي ستقضي عليه. فإسرائيل دولة “طارئة” و”مصطنعة”، تُختصرُ “حضارتها” بثلاث: إنعدام “الأخلاق”، إنتشار “الظلم” وكثرة “القمع”.

لذلك، هي الى زوال !

“يستبدل قوماً غيركم” !

“أما إسرائيل فلن يكتب لها البقاء لأنه لم يكتب لها البقاء. ويقول بعض الذين خلقوها أنها وجدت لتبقى؛ وأنا أقول: أنها وجدت لتزول.. لا أقولها مغرورًا ولا موتورًا، ولا مُدجلاً ولا مهولاً، ولكني أقولها عالمًا بنواميس الإجتماع، التي يُبنى عليها وجود الأمم، وبقاؤها، وزوالها، بأمر الله، وحتمية التاريخ”

هذه الكلمات مأخوذة من محاضرة علمية، ألقاها جدّي المرحوم، الشيخ نديم الجسر، خلال افتتاح الموسم الثقافي للمعاهد الثانوية العليا في طرابلس عام 1967 ولم يكن قد مرّ على “النكبة” أسابيع معدودة وقد استشعر  يأساً بدأ يدبُّ الى قلوب الناس. وأنا قرأت هذه الكلمات عشرات المرّات منذ أصبحت في سنّ أستطيع فهم أهميتها ومعانيها. وأستذكرها كلما عادت القضية الفلسطينية “تطفو” على ألسنة الناس.

“القضية الفلسطينية”. تعبير يطاردنا عند كلّ مفترق، وباسمه خدعت عقول الناس لحملها على الخمول واليأس بدل أن تجتهد وتتعلّم وتكتسب القوّة التي من دونها لن يستطيع أي شخص أو شعب أو سلطة تحرير شبر واحد من الأراضي الفلسطينينة. فما قولنا إذا كنّا شعباً متخاذلاً وسلطاتٍ متاجرة ومتعاونة على ضرب هذا الشعب العنيد وتشريده وتفتيته؟

ورث الشعب العربي، أقلّه الأجيال الجديدة، “القضية الفلسطينية” كما ورث العديد من العادات دون تفكير. وباتت لا تشكّل سوى مادة خطابة وصراخ وتهويل تُستعمل على المنابر وفي الجوامع. لذلك، غالباً ما يشعر هذا الشعب بالذنب. الذنب بأنّه عاجز عن فعل أيّ شيء فيما يتقلّب في حيرة قاتلة بين ذهابه “للاستشهاد” والقتال العسكري وبين البقاء في وطنه مع عائلته.

ما أشعر به من غضب وحزن، أي ما يدور في وجداني، هو أمرٌ شخصي، لست بحاجة الى إظهاره الى الملء حتّى أثبت لمن يقرأ بأنني “أحزن” على فلسطين. وأنا لست أنتقد المشاعر النبيلة التي يمكن أن تنتاب أي فردٍ صادقٍ منّا، إنما أنتقد “المغالاة” بالتصاريح والتعليقات التي تُنسى بعد ثوانٍ من كتابتها.

فلسطين لن تحرر على يدنا حتى ولو باتت “قضية مركزية”. لكن القوة لن تتنزّل من السماء فجأة. بل لا بدّ من تحصيلها. ولا يكون تحصيل القوة إلا بالعلم والتقدّم والتطوّر. ونحن، العرب، أبعد ما نكون في هذه الأيام عن بناء ذاتنا ومجتمعاتنا وتثقيف شعوبنا وحضّهم على اكتساب العلم والإرتقاء من الجهل الى استعمال العقل الذي لم يتعارض يوماً مع الدين. ما الذي يمنع دولنا من إكتساب العلم والتكنولوجيا المطلوبة لتطوير مجتمعاتها كما فعلت الدول الغربية؟ أم من قلّة في الموارد؟ أم الشعب؟

أنا أرى بأن إسرائيل تتخبّط وما الدليل على ذلك سوى إمعانها في بناء المستوطنات والاعتداء على الفلسطينيين الأبرياء وذلّهم وقتلهم بوحشية؛ لدرجة دفعت بالرأي العام الغربي والعالمي الى التنديد بهذه الممارسات الوحشية اللإنسانية. إلا أنّ ذلك غير كافٍ. فلن نستطيع تسلّم زمام أمورنا وتبنّي قضيتنا هذه بجد قبل أن نمتلك القوة. والقوة لا تأتي إلا بالعلم.

علينا أن نصارح أنفسنا: نحن شعوب متخلّفة عن ركب العلم والتقدّم والتقنية. وجماهيرنا أغلبها فقيرة وجاهلة تحرّكها العواطف فتستقيل من العقل. فإذا بقينا على حالنا هذه، فهذا يعني بأنّ “نضالاتنا” ستقتصر على إحصاء مزيد من الشهداء والقتلى الأبرياء، بينما تمضي إسرائيل في ابتلاعها لفلسطين بأكملها وفي تحقيق مخططها لتقسيم وطننا العربي “المقسّم” أصلاً بفضل سايكس-بيكو ووعد بلفور.

الحقيقة أننا خسرنا “حقّ” تحرير فلسطين منذ زمن طويل… “وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” !

جهلنا يقتلنا !

قرأت كمّاً كبيراً من الاستهزاء والسخرية بموضوع بعض الشعائر الإسلامية، مما جعلني أتأمّل في كيفية صياغة “عقول” الناس لهذه التعابير التي “تصنّف” و”تستعلي” و”تلغي”.

فهي تصنّف الناس ضمن فئات. منها الكافر ومنها المؤمن ومنها الوسطي ومنها الملحد. وهي تستعلي باستخدامها الدين لإعطاء ذاتها مكانة أعلى من الآخر لا بل أعلى من كلّ الأمم البشربة على وجه الكرة الأرض. وهي تلغي الآخر بحيث لا تعترف بوجود رأي مخالف لآرائها. فلا تتقبله ولا تناقشه بل “تقمعه” وتستهزء به. وللأسف، لم أجد أحداً يمارسُ هذه الأفعال الثلاثة مثلما يمارسها المسلم في بلادي.

وأنا غالباً ما أنأى بنفسي عن النقاشات، العلنية خصوصاً، التي تتعلّق بمواضيع دينية لسببين رئيسيين: الأول هو أنني حريص على أن أكون صادقاً مع نفسي وأعلم بأنني لست باحثاً ولا عالماً ولا فقيهاً في الدين الإسلامي. فأنا لا أملك الحجج المنطقية المطلوبة لأنقض “معتقدات” الغالبية من المسلمين في ممارستهم الموروثة على مدى قرون من الزمن. فإن فعلي سيكون مشابهاً لما يفعله أولئك الذين يستهزؤون ويسخرون ويسخّفون شعائر الدين الإسلامي دون حجة أو منطق أو بديل. إنتقاد بحت لأجل “المخالفة” فقط !

والثاني هو لإدراكي، بفعل التجربة البسيطة، بأنه من الصعب محاورة الناس في معتقداتها التي تصلّبت وتجذّرت في أذهانها، وهي التي اكتسبتها “نقلاً” عن آبائها وأجدادها دون أيّة “مراجعة” أو “فهم” أو “تطوير”. فلقد تخطّت هالة هذه المعتقدات أهمية ركائز الدين الإسلامي ومبادئه ومفاهيمه التي قام عليها.

ربّما يكون هناك العديد من المفاهيم والممارسات، في الدين الإسلامي، تحتاج الى “إعادة نظر” أو “تفسير” حتّى تتوافق مع جوهر الإسلام أولاً، ومن ثمّ مع تطورات المجتمعات الإنسانية. ولكن لا يختلف عاقلان على أن “الإسلام” يغيب عن مجتمعات وبلدان المسلمين، ليس لضعف في رسالته أو خطأ فيها، بل بسبب أخطائنا الشخصية الفردية والجماعية، بحقّ أنفسنا وبحقّ مجتمعاتنا؛ وبسبب تمسّكنا بأفكارنا المسبقة الموروثة عمّن قبلنا دون أن نتكلّف عناء البحث عن مقاصد أو معاني أو فوائد أو جدوى الشعائر الدينية.

فكيف يمكن لنا أن نقول بأننا نحمل “أهم وأسمى” رسالة دينية وإنسانية فيما مجتمعاتنا تعاني من الجهل والفقر والخنوع والظلم والكره والحقد والتعصّب والتفرّق. فنحن نقتل بعضنا بعضاً، ويهجّر بعضنا البعض الآخر من وطنه وأرضه وبيته، ونتآمر على بعضنا البعض، ونرضخ خانعين لحكّام فاسدين ونولّي ملتحين متكسّبين أمور ديننا وهم يشوّهون مبادئ هذا الدين خدمة لمآربهم ويرهّبون كلّ من خالفهم أو ناقشهم أو عاندهم.

هذا الاستهزاء والسخرية هي الدليل القاطع على ضيق عقولنا وتعصّبنا واستعلائنا ظنّاً منّا بأننا أدرى وأعلم وأفقه ممن يناقشنا. فأولى علامات الإنسان الجاهل هو اعتقاده بأنه يملك الحقيقة بيده.

والمسلمون، عامّة، يعتبرون بأنهم يملكون الحقيقة لمجرّد انتمائهم للدين الإسلامي دون عناء استعمال عقولهم للإيمان وممارسة الدين الصحيح.

فيا لجهلنا القاتل !

هل “الدولة” حَقّ أَم وجهَة نظرٍ أَم حُلُم؟

تختلِفُ نظرةُ اللبنانيين الى “الدولة”. فلم تعُد هي “المؤسسةُ” أو “السلطةُ” أو “الفكرةُ” المجرّدةُ عن المشاعرَ والمصالحَ الفرديةِ الخاصّةِ ومرسى القيمِ الاجتماعيةِ الساميةِ من تسامُحٍ وأخوّةٍ ومساواةٍ وعدل، بل تحوّلَت الى “جهازٍ” يُحَكِّمُ أشخاصاً محدّدين بمقاليدَ السلطةِ ومنافعِها ومواردِها بالظُلمِ والعداءِ والتفريقِ والانتقامِ ممّن يعارضها.

هذه الممارساتُ أدّتُ، خصوصاً في الفترةِ الممتدّةِ بعد إتفاقِ “الطائف”، الى خلقِ مفهومٍ مغايرٍ  “للدولةِ” عمّا يفترضُ أن تكونَ عليه. فلم تعُد هي الملجأُ لتحقيقِ العدالة بل وسيلةً للتشفّي والانتقام، ولا أداةَ استرجاعِ الحقوقِ بل سلبِها ومصادرتِها بغير حقّ، ولا باعثاً على الأمنِ والاستقرارِ بل ناشراً للخوفِ بالسلاحِ و العسكرِ و”الآذانِ الخفيّة”.

ولماذا اتفاقُ “الطائف”؟ لأنّه “سلّطَ” كلّ ما كانت لهُ يدٌ” خفيّةً كانت أو علنيةً، في الحربِ الداخليةِ اللبنانيةِ، على موارِدِ الدولةِ وإداراتِها وجعلَهُم، تحت ذرائِعَ “الوفاقِ الوطني” أحياناً وحمايةِ “الحقوقِ الطائفيةِ” أحياناً أخرى، سلاطينَ على الإداراتِ العامّةِ؛ فلا يتحرّك حاجبٌ لا يُصرفُ “قرشٌ” واحدٌ إلا بصفقةٍ وسمسراتٍ ومغانِمَ تُفقرُ الشعبَ وتُغني الأزلام.

سلاطينَ اعتمدُوا الفسادَ منهجاً وحيداً ورئيسياً في تصرفاتِهم. فانقسمَ الشعبُ، نتيجةَ ذلك، الى فئاتٍ ثلاث:

الأولى، هم الفقراء المعدمون. أولئِكَ لا يهمّهم الأمن ولا الأمان. إنّما أكبرُ أحلامِهم ألا يناموا وبطونُهم خاوية وألا يرقدوا وأولادُهم يرتجفون برداً ومرضاً. أولئِكَ يُعانون من ظُلمِ الدولةِ لهم. فلا يتمتّعون بميزات فرصِ العملِ والطبابةِ والاستشفاءِ كما يتمتّعُ بها آخرون. هم الذينُ يُتركُون طريدةً للموتِ على أبوابِ المستشفيات. وهُم أشدّهم حقداّ على “الدولةِ” وأكثرُهم انتقاماً.

الثانية، وهي فئة الشعبِ “المقموع”. هُم فئةٌ لا ترتبطُ بـ”الدولةِ” ولا بأجهزتِها ولا بسلاطينِها. فلا ينتفعون من الصفقات ومن عملياتِ النهبِ المنظّمِ لمواردِ الإداراتِ العامة. هم ليسوا من “مدّاحي البلاط”. لم “يتنعّموا” بحُبِّ “الدولةِ” لهم. فيكتفونَ بالعيشِ، بعيداً عن السياسيةِ، خوفاً ويأساً منها. يعملون بكدٍّ لتأمينِ لقمةِ عيشٍ كريمةٍ بعيدةٍ عن الحرامِ والمهانةِ. منهم المتعلمون ومنهم المثقّفون ومنهم العاديون، إنّما تقمعُهم “الدولة” إذا ما قرروا أن يطالبوا بحقٍّ أو ينتقدوا ممارسةً “الحكّام”. هم فئةُ مهمّشةٌ في حسابِ الدولة.

أمّا الثالثةُ، فهي الأوفر حظّاً بين الفئات. فهي ترتبطُ بـ”الدولةِ” وأجهزتِها وسلاطينها. وتغوصُ وتسبحُ في بحرِ الفسادِ السياسي والاجتماعي. تصرفُ الأموالَ على ملذاتِها وسهراتِها وبهوراتِها وترفِها الفاحِش. وتستقوي بـ”عسكرِ” الدولةِ وزعرانِها لفرضِ رغباتِها وسلبِ الحقوقِ من الناس. فهي تتصرّفُ وكأنها تملكُ السلطةَ ولها حقٌّ فيها. وتعتبرُ بأنّ لها امتيازاً في سرقَةِ المالَ العامَ والتحكّمِ بالإداراتِ وأن استعبادِ الفقراءَ بالمالِ والترهيبِ والعوزِ، وتجاوزِ القانونَ وتسييرِ العدالةَ خدمةً لمصالِحِها.

ثمّ يأتي التمايزُ المناطقي والمذهبي والطائفي ليَكونَ غطاءاً لكلّ ذلك. من هنا، أمسَى مفهومُ “الدولةِ” يتراوحُ بينَ كونِهِ “وجهةَ نظرٍ” للبعض، “حقّاً أو مكسباً” للبعضِ الآخر و”مطلباً أو حلماً” لآخرين.

فمن أينَ نحلمُ بـ”دولةٍ” جامعةٍ قبلَ أن “يُوفّى كلُّ ذي حقٍّ حقَّهُ”؟

هذه “بضاعتُنا رُدَّت إلينا” !

« يرَى الجُبناءُ أنَّ العجزَ عَقلٌ              وتِلكَ خديعةُ الطَّبعِ اللّئيمِ »

-المتنبّي-

منذُ يومين، تقدّمت رئيسة البرلمان الأسترالي، برونوين بيشوب، باستقالتِها بعد سيلٍ من الاتهاماتِ الموجهةِ لها لاستخدامِها أموالَ دافعي الضرائب لتتمكّنَ من استئجارِ مروحيةِ هليكوبتر  لحضورِ حفلٍ ريعيّ يقيمُه الحزبُ الذي تنتمي إليه.

هكذا، وبكلِّ بساطةٍ، تخلّت هذه السيدة عن منصبِها لأنها لم تستطع، لا هي ولا حزبُها الداعم، تحَمُّلَ ضغطَ الرأي العام الأسترالي تجاهَ هذه الفضيحة.

في غضونِ ذلك، لا زالت الحكومة “المهرّجة” تمارسُ مسرحيةَ الكذبِ المعتادِ على الشعب في لبنان.

إلا أننا اجتزنا، منذُ زمنٍ، مرحلةَ إلقاءِ اللومِ على المسؤولينَ الجشعينَ الفاسدينَ الذين يمسكونَ بمقاليدِ الحكمِ والمؤسساتِ في وطننِا. ولا بدّ لنا من أن نُدركَ ونعيَ بأنَّ المسؤولية الكبرى في ما آلت إليه حالُ المواطنِ في لبنان، إنَما تقعُ على عاتقِ المواطنينَ أنفسهم.

وأنا لا أتحدّث عمّن لا حولَ ولا قوّةَ له. بل أتكلّمُ عمّن يستطيعونَ التغييرَ بقولِهم ومالِهم وأفعالِهم. أولئكَ الذينَ يعانونَ من إنفصامٍ أكيدٍ ولا مبالاةٍ خطيرةٍ، لم تستطع أطنانُ النفاياتِ المنتشرة في شوارع بيروت ولا رائحتها الكريهةِ أن تُحرّكَ في نفوسِهم “العَفِنة” ساكناً !

أولئكَ الذينَ يمرّون بالمصائبِ والشوائبِ مرورَ الكرام. فـ”يُصورُوها”، و”ينشرُوها”، و”ينتقدُوها” قولاً لا فعلاً. أولئك الذين استسلموا وأصبحوا شعباً “داجناً” كثيرَ الكلامِ، قليلَ العملِ، خبيثَ النفسِ وزائفَ العزمِ !

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون حتّى نشعُرَ بقليلٍ من الحياءِ والمسؤولية تجاه وطنِنا؟ فلا الدّينُ العام استطاع إثارتَنا. ولا الكهرباء أثارت غيظَنا. ولا النفايات تمكّنت من حملِنا على مواجهة حيتانِ المالِ والسمسراتِ والمافياتِ التي تسرقُ المالَ العام وتُبقينا أسيري العوزِ والفقرِ والتخلّف.

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون، “الفخورون” بلبنانيتنا الزائفة، حتّى نُدركَ بأن الطبقةَ السياسية هي تجسيدٌ وانعكاسٌ لما يُمثّلُهُ “الرأيُ العام”، بأفكارِنا وعقلياتِنا الطائفية المريضةِ.

كم من فضيحةٍ نحتاجُ نحن اللبنانيون، المتعالون، لأن نستيقظَ من غفوتِنا لنعلمَ بأنّنا نحن من انتجنا الطبقةَ السياسيةَ الحاكمةَ؛ وجدّدَنا “التوكيلَ” لها، سنة بعد سنة، بلا كللٍ وبذرائعَ واهيةٍ. ألم نُدركُ بعد بأنَ قوانينَ الانتخاب، مهما ساءت أو فئويةٍ كانت، لا تُنتجُ إلا ما ننتخبُهُ نحن ؟! ونحن اختارنا “الأسوأ” كلّ مرّة وفي كلّ استحقاقٍ !

أيّها اللبناني، لا تُلقِ اللومَ على النوّابِ والوزراء. بل ألقِهِ على نفسِك. أنت من اخترتَ أن تكون عبداً لطائفتِكَ وزعيمِها. أنتَ من اخترتَ أن ينوبَ عنكَ من شابَهَكَ بخلُقِهِ ومسلكِهِ. أنتَ من اخترتَ أن ترفَع كلَّ رُويبضَة  وأن تجعلَ منهُ “سيّدَ” القومِ !

كثيرٌ ما نتغنّى نحن “اللبنانيون” بحرّيتِنا أمام الآخرين. ولكن عن أيّة حرّيةٍ نتحدّث ؟ ألم نخجل بعد من أنفسُنا ومن خداعِها؟

أيّها اللبناني، لا تحزّن لازديادِ الدَينِ العام أو لانقطاعِ الكهرباءِ أو لمشهدِ أكياسِ النفاياتِ المتراكمةِ.. فها هي «بضاعتُنا رُدَّت إلينا» !

! فليخرج العقلاء عن صمتهم

إذا ما طالعت الصحف في الأيام التي تلت انتخابات المجلس الشرعي في كلّ من بيروت وطرابلس، تستنج بأنّ الانتخابات كانت عبارةً عن معركةٍ بين مختلف الأحزاب السياسية على “زعامة الشارع السنّي”.

ولعلّ هذه هي السمة الأولى التي باتت تطبع كلّ استحقاق انتخابي في أي مجلس وطني أو محلي، مهما علا شأنه أو صغر. كلّ الانتخابات باتت “معارك” للزعماء. صحيح أن اللعبة الديمقراطية تفرض التنافس بين الأشخاص، إنما تفرضها لمصلحة المدينة أو الوطن وليس للمصلحة الشخصية لحزب أو تيار أو جماعة.

إلا أن عناوين الصحف كافة تشير الى من “انتصر” ومن “خسر”. والمضحك في ذلك، أن مسألة الربح والخسارة هي مسألة نسبية تختلف بحسب اتجاه الصحيفة السياسي.

لكنني لم أقرأ يوماً، في أي من تلك الصحف، مقالاً يشير الى أن طرابلس، ولو لمرة واحدة، هي التي ربحت الانتخابات عبر اختيار أسماء تملك الكفاءة لتوليها “منصب” يمثّل المدينة أو يصبّ في مصلحتها. أقلّه من الوقت الذي أمست فيه المدينة تخضع لوصاية سياسية، تأتي بما “هبّ ودبّ” الى كافة المجالس في طرابلس من جامعية ونقابية وشرعية واجتماعية.

والحقيقة بأن الغالبية من الناس في طرابلس تؤيّد ضمناً هذا التوجّه الذي تسلكه الصحف. فهي ترتاح الى “التصنيف”. وترتاح الى إيواء نفسها في كنف “الطائفة” أو “الحزب” أو “التيار” القوي. فقلائل هم الذين لا يأمنون إلا لأنفسهم وضمائرهم وسيادتهم وكرامتهم وحرّيتهم في قول الحق خدمة للمدينة ومجتمعها.

الواقع أنّ الغالبية تخاف من القوّة،فيما تجابهها الأقلية !

ولا حكم للأقلية في الأنظمة “الديمقراطية” !!

فلماذا نستغرب ونتساءل ما الذي أوصل حال مجتمعنا ومدينتنا الى ما وصلت إليه؟ لماذا لا يدرك الطرابلسيون بأن حالة المجتمع هي انعكاس للحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والفكرية التي وصلوا إليها؟

لماذا نحزن حين نكتشف بأن مدينتنا أُزيلت من على الخارطة السياسية للدولة منذ زمن طويل؟

ألم نرضى نحن بذلك؟ ألم نقبل بأن نكون أداةً يستعملها كلّ من شاء في “حروبه” السياسية ويستهلك أصواتنا في صناديق الانتخابات ويرمينا فقراء نشحذ معونة السلطة المركزية؟

من السهل إلقاء اللوم على القيادات السياسية الغائبة في المدينة. لكنّنا لسنا أبرياء من المشاركة في “جريمة” تهميش مدينتنا عندما ارتضينا أن نكون تبعاً “للعاصمة” وقبلنا اختيار ممثلين ونوّاب رهنوا قرار مدينتنا لصالح “الزعيم الطائفي”.

لكن على الرغم من موجة التعصّب الأعمى التي تسيطر على عقول كثيرة طرابلسية، لا بدّ من وجود عقول سامية واعية تفكّر بمنطق وتسعى الى نبذ التطرّف السياسي والديني والمذهبي وتتبنّى خطاباً حديثاً قوامه النظام والقانون والدولة.

وهي مدعوة الى ان ترفع صوتها لا أن تبقى “أغلبية” صامتة !

إنصافاً للأرمن… والآخرين !

غالباً ما تكون أكثرية النّاس قاسيةً في حُكمها على الآخرين بشأن بعض القضايا الإجتماعية والتاريخية، وخصوصاً تلك المرتبطة بعاملٍ دينيّ. فالغالبية العُظمى من البشر لا تقبلُ تحدّي أو كسرِ معتقداتها الدينية الموروثة فتصل الى حدٍّ من التعصّب، يستحيل معه النقاش.

وعلى الرغم من تحلّينا بـ”الضمير” الذي يسعفنا، عند التمييز بين ما هو “صحيح” وبين ما هو “خاطئ”، فإنه يبقى محكوماً من “نزعة” طائفية دفينة مرتبطة بالدين.

فالعقل هو الرادع لهذا الضمير من التفلّت والتطرّف.

ولكن ماذا لو غاب هذا العقل؟ عندها يصبح الضمير أنانياً إنتقائياً، يعتمدُ محاكمةً “هوائية” للأمور.

كَثُرَ الحديث مؤخراً عن ذكرى “الإبادة الأرمنية”. وثار اللغط، في طول البلاد وعرضها، حول ضرورة الاعتراف بها من عدمه. لكننا نغفل عن أمرٍ مهمّ هو أن “ضميرنا الجماعي” هذا، لا يحاجج بناءً على مبادئ المنطق والإنسانية. بل على مبادئ الانتماء الطائفي والمذهبي والمناطقي وحتّى العشائري.

“الإبادة” ليست لفظاً كلامياً فقط، بل هي فعلٌ يُمارس وإن لم توصف هذه الافعال بالإبادة.

لماذا لا نقرأ عن المجازر المرتكبة بحقّ الشعوب الأفريقية من قبل دول الإستعمار الفرنسية والبريطانية؟ أو عن الشعب الفلسطيني الذي عانى، ولا يزال، أمرّ طقوس التعذيب والتهجير والقتل والدمار؟ أو عن المجازر بحقّ المسلمين في “سربرنيتسا” في البوسنة؟ أو الروهينغا في بورما؟ أو في كامبوديا؟ أليست هذه كلّها “إبادات” لشعوب هذه البلدان؟

الحقيقة هي في وجود ضمير “دولي” إنتقائي فئوي، يختار الاعتراف بالجرائم التي تخدم مصلحته السياسية البحتة، ويشهر بها “سيف” العدالة والحق والإنسان بوجه مرتكبيها. وإلا، كيف نفسّر تردّد أميركا في التعليق على الذكرى المئوية لإبادة الأرمن؟ أليس ذلك للهروب من اتهامها بإبادة هيروشيما ونكازاكي بنقبلتين ذرّيتين؟

لا مكان لاستنسابية المعايير وللتجزئة في الاعتراف بالجرائم المرتكبة بحقّ مختلف الشعوب إذا ما أردنا أن نتصرّف بإنسانيتنا لا بغرائزنا وأهوائنا الطائفية. ولا يمكن للدول الكبرى، خصوصاً الغربية، أن تستمرّ بتطبيق هذه الاستناسبية لأهدافها السياسية الشخصية؛ ولا أن تستعجل المزايدة في اتهام الدولة التركية “المسلمة”، بعدم اعترافها بما حصل للأرمن، فيما هي تغضّ الطرف يومياً عمّا تمارسه إسرائيل من مجازر بحقّ الشعب الفلسطيني؟

هذا ليس انتقاصاً لما عاناه الأرمن وإنما إنصافاً لهم ولكلّ الشعوب التي عانت، ولا تزال، من شتّى أنواع الإبادة والتهجير دون رقيب أو حسيب.

“القيمة” الحقيقية هي للإنسان. وهدف مختلف الأديان هو إعلاء قيمة الإنسان في مجتمعه المبني على قيم سامية مثل الرحمة والتسامح والكرامة والعدالة والحرية. لكننا سخّرنا الإنسان وحلّلنا قتله خدمةً للدّين الذي “شوّهناه”.

فمتى نتّفق في لبنان على “قيمة” الإنسان لا الطائفة؟